على مدى السنوات الماضية، رافقت الحرب المشتعلة في بلادنا موجات من الشحن العاطفي والتعبئة الإعلامية التي غالباً ما بحثت عن "كبش فداء" سهل وبسيط لتعليق شماعة الإخفاقات الأمنية والاختراقات العسكرية عليه.
ولسنوات طويلة، دأبت سرديات ساسية كثيرة على توجيه أصابع الاتهام نحو العمالة البسيطة وأصحاب المهن الهامشية—من عمال المطاعم، وباعة الخضار المتجولين، وعمال البقالات، ومقوتي البحث عن لقمة العيش—معتبرين إياهم "الخطر الأكبر" وخلايا نائمة تتحرك بلمح البصر.
لكن الواقع الدامي، والحقائق المرة التي كشفتها سنوات الصراع الطويلة، تدعونا اليوم إلى وقفة شجاعة مع الذات، وتفكيك هذا الوهم الأمني الذي طال أمده.
*صدمة الحقيقة: من قتل القادة؟!*
حين نستعرض قائمة الشهداء من القيادات العسكرية والأمنية والعلماء وأئمة المساجد، نصطدم بحقيقة قاسية تتجاوز كل التبسيطات السطحية؛ فقد استشهد القائد اللواء ثابت جواس، واكتشفنا لاحقاً أن من نفذ وخطط هو ابن البيئة نفسها.
واستشهد الشيخ الراوي والشيخ العدني، واكتُشف أن القتلة جنوبيون.
واغتيل القائد البارز "أبو اليمامة"، وكانت أدوات الرصد والاستهداف داخل المعسكر وبأيدٍ محلية.
وقبلهما استشهد محافظ عدن الأسبق اللواء جعفر محمد سعد، في عملية هزت المدينة وكان خلفها خيانة داخلية.
هذه السلسلة الطويلة من الاغتيالات والعمليات النوعية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الخصم الحقيقي لا يعتمد في أهدافه الكبرى على عامل مطعم بسيط، ولا على بائع بسطة متعب يبحث عن قوت يومه لتأمين لقمة عيش أطفاله، فتلك اتهامات استُهلكت وافتقرت إلى أي سند واقعي منذ عام 2015م.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في قاع المجتمع، بل يتسلل غالباً من الشقوق التي تصنعها المصالح والأموال.
وخير مثال على ذلك ما شهدته مؤخراً أجزاء من مديرية المضاربة؛ وهي منطقة نائية لا وجود فيها لعمالة وافدة أو بسطاء من مناطق أخرى، ومع ذلك سقطت جبهات فيها بفعل خيانة وعمالة عناصر من أبناء المنطقة أنفسهم ممن رهنوا ضمائرهم لصالح الميليشيات.
ومع التقدير الكامل لحجم التضحيات الجسام التي قدمها أبناء الصبيحة الأبطال دفاعاً عن العقيدة والوطن، يبقى الدرس المستفاد صارخاً: لن تسقط منطقة أو تسقط هيبة مؤسسة إلا من داخلها، وبالتواطؤ مع أبنائها.
*أين يكمن الخطر الفعلي؟!*
إذا أردنا حماية جبهاتنا الداخلية وتأمين مجتمعاتنا، فعلينا توجيه البوصلة الأمنية والرقابية نحو مصادر التهديد الحقيقية، والتي تتمثل في الآتي:
*شبكات المال والأعمال المشبوهة:*
الحذر كل الحذر من بعض رجال المال والأعمال الذين سخّروا أموالهم لشراء الذمم، وتوزيع آلاف الدولارات والريالات بالعملة الصعبة لإسقاط الضمائر وتجيير الولاءات لصالح الأجندات المعادية.
*أمراء الحرب" والمشايخ المستفيدون:*
مراقبة أولئك الذين يستلمون مئات الآلاف من العملة الصعبة تحت غطاء المشيخة أو الوجاهة الاجتماعية، دون رادع أو تساؤل مشروع عن مصدر ثرواتهم المفاجئة.
*أباطرة تجارة السلاح والحوالات الواردة:*
ضرورة التركيز الأمني والمالي على تجار السلاح الذين تضخمت ثرواتهم فجأة، وملاحقة خطوط الحوالات المالية الضخمة "الواردة" التي تُغدق بلا حساب لتمويل الاختراقات.
إن المعركة اليوم لم تعد مجرد صواروخ ومدافع، بل هي معركة وعي واستخبارات حقيقية. وحين ندرك أن الخيانة لا لون لها سوى الطمع، وأن العمالة ترتدي غالباً ثوب الوجاهة لا ثوب الرثاثة، سنتمكن حينها من تحصين صفوفنا وحماية قادتنا ومجتمعاتنا من طعنات الظهر.
والله من وراء القصد.