آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-12:36م

طباشير تحت الحصار: كيف يعيش المعلم اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين؟

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 10:39 م
محمد ناجي


بينما يقف العالم في المناسبات الدولية ليحتفي بمكانة المعلم ودوره في بناء الأجيال، يقف المعلم اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي وحيداً أمام واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية والمهنية في التاريخ الحديث. هناك، حيث استبدل القلم بالبندقية وغُيبت الحقوق في دهاليز السياسة، تحول التعليم من رسالة سامية إلى رحلة كفاح يومي من أجل البقاء، وسط واقع يمزقه الحرمان الممنهج والتطييف القسري للمناهج والبيئة التعليمية.


لُقمة عيش مغموسة بالقهر

الحديث عن المعلم في مناطق سيطرة الحوثيين يبدأ وينتهي عند المعضلة الكبرى: انقطاع الرواتب والمستحقات الأساسية لأكثر من 170 ألف معلم ومعلمة منذ أواخر عام 2016. هؤلاء التربويون الذين يمثلون العمود الفقري لنظام التعليم أُلقي بهم في أتون الفقر المدقع والديون المتراكمة. ورغم أن سلطات الأمر الواقع أعلنت مراراً عن صرف "أنصاف رواتب" على فترات متباعدة لا تس

من ولا تغني من جوع، إلا أن هذه الآلية تحولت -بحسب مراقبين- إلى مجرد ورقة سياسية وإدارية لامتصاص غضب الشارع ولفرض الانصياع والتسخير الوظيفي دون مقابل حقيقي.


هذا الوضع الكارثي أجبر آلاف الكفاءات والخبرات التربوية على هجر الفصول الدراسية كلياً للبحث عن سبل عيش بديلة؛ فتحول موجهون ومدراء مدارس ومعلمو مواد علمية إلى باعة متجولين أو عمال بالأجر اليومي، في مشهد يختصر مدى الإهانة الممنهجة التي تعرضت لها مكانة المعلم.


الترهيب والإقصاء: "حوثنة" المنظومة التعليمية

لم يقتصر الاستهداف على التجويع الاقتصادي، بل تجاوزه إلى استهداف الهوية المهنية والفكرية للمدرس؛ فقد شنت الجماعة حملات فصل تعسفي وإقصاء واسعة شملت آلاف المعلمين والإداريين المؤهلين في العاصمة صنعاء وبقية المحافظات. والهدف الواضح خلف ذلك كان إحلال عناصر موالية فكرياً وطائفياً مكان الكفاءات الوطنية لإحكام القبضة على المدارس وتسييرها وفق رؤية الجماعة.


أما من بقي من ا

لمعلمين في منصبه محاولاً سد رمق عائلته، فإنه يُجبر على حضور "دورات فكرية وثقافية طائفية" مكثفة، وتوجيهه لبث خطابات التعبئة والتحشيد العسكري في الإذاعات المدرسية والفصول. ومن يجرؤ على الرفض أو التلميح بالاحتجاج والمطالبة براتبه، يجد نفسه فوراً في دائرة الاتهام بالخيانة، أو يتعرض للاعتقال والإخفاء القسري، كما حدث مع العديد من قيادات "نادي المعلمين اليمنيين" وغيرهم من الكوادر التربوية التي غُيبت خلف القضبان لمجرد رفعها شعار "الراتب حق".


تفخيخ المناهج وعسكرة المدارس

في موازاة تجريف حقوق المعلمين، تعرض الطلاب والمناهج لضربات قاصمة؛ حيث أجرت الجماعة تعديلات جوهرية مست مواد التاريخ، اللغة العربية، والتربية الإسلامية، لحقنها بـ"ملازم" وأفكار عقائدية ضيقة تستبعد القيم والمضامين الوطنية الجامعة. لم تعد المدارس بيئات آمنة للتعلم، بل تحولت إلى مراكز للاستقطاب والتحشيد العسكري والتجنيد، مهددةً مستقبل ملايين الأطفال الذين تسربوا من التعليم لتتحول هذه البيئة إلى "قنبلة موقوتة"

حقيقية تهدد نسيج المجتمع اليمني بأكمله.


كما امتدت هذه الضغوط بشكل خانق لتطال قطاع التعليم الأهلّي والخاص، الذي يُلزم اليوم بتبني نفس سياسات التحشيد والتعبئة العسكرية تحت طائلة التهديد بالإغلاق والغرامات المالية الباهظة.


صرخة صامتة تستنجد بالضمير

إن استمرار الصمت الدولي والحقوقي تجاه ما يحدث للتعليم والمعلمين في مناطق سيطرة الحوثيين يعكس خذلاناً كبيراً لجيل يمني كامل يُدفع دفعاً نحو الجهل والأمية والعسكرة. المعلم اليمني لا يخوض اليوم معركة لتدريس مادة علمية فحسب، بل يخوض معركة وجودية لحماية عقله وعقول تلاميذه من التجريف الفكري والفقر المستدام.


إن إنقاذ المعلم وصرف رواتبه بانتظام وإبعاد المدارس والمنشآت التعليمية عن الصراعات السياسية والعسكرية ومحاولات التطييف، ليس مجرد مطلب حقوقي أو رفاهية ثانوية؛ بل هو طوق النجاة الأخير لما تبقى من هوية ومستقبل لليمن.