آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-12:36م

تعز.. حين تنتصر إرادة الوعي

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 09:45 م
احمد الدثني


ليس صمود تعز في مواجهة المد الحوثي أمراً عادياً يمكن المرور عليه باعتباره فصلاً من فصول الحرب اليمنية. إنها مدينة قررت ألا تنحني، ومقاتلون آمنوا بأن الأرض التي يرفض أهلها الاستسلام لا تُؤخذ بسهولة، مهما اختلت موازين القوة.

لقد حقق الحوثيون في محطات كثيرة انتصارات بدت أشبه بالمعجزات العسكرية، لكن التدقيق في أسباب بعضها يكشف أن وراءها تخاذل الطرف الآخر، أو انهيار الثقة بين الحلفاء، أو غياب الإرادة والقرار. أما في تعز، فقد اصطدم هذا المد بإرادة مختلفة؛ ثلة من المقاتلين الأشاوس، بإمكانات محدودة وظروف قاسية، رفضوا تسليم مدينتهم لمشروع الوصاية السلالية، فسطروا ملاحم استثنائية في الصمود والمقاومة.

لكن المسألة لا تتعلق بالجغرافيا والسلاح وحدهما؛ فهناك بُعد آخر لا يقل أهمية. إن الجهل والأمية وتغييب العقل النقدي من أهم البيئات التي تساعد المشروع الحوثي على التمدد، بينما تمثل تعز، بما لها من حضور تعليمي وثقافي وتاريخي، نموذجاً لمجتمع يسأل ويحسب ويقارن، ولا يقبل الأفكار لمجرد أنها فُرضت عليه. ولهذا فإن إخضاع تعز ليس مجرد السيطرة على مدينة، بل محاولة لإخضاع مجتمع يصعب تطويعه بالفكر المغلق. فالعلم والمعرفة والتفكير الحر هي النقيض الطبيعي للفكرة السلالية.

إن الإشادة بتعز ليست انتقاصاً من تضحيات بقية اليمنيين، بل إنصاف لمقاومة دفعت ثمناً باهظاً وصمدت في ظروف استثنائية. والوفاء لها لا يكون بالتصفيق لمقاتليها وحده، بل بإنصاف أهلها وحماية مدينتهم وعدم ترك تضحياتهم رهينة الفقر والإهمال والانقسامات.

تعز لم تدافع عن حجارتها وشوارعها فحسب؛ لقد دافعت عن فكرة اليمن الذي لا يحكمه أحد بحق الوراثة، ولا يخضع فيه المواطن لإرادة السلاح.

وذلك هو المعنى الأعمق لصمودها.