يمكن القول إن وزير الاتصالات الحالي الدكتور شادي صالح علي باصرة ينتمي إلى الزمن الحاضر ، زمن الذكاء الاصطناعي وتقنيات التراسل الرقمي الإلكتروني، بينما مرؤوسوه، وللأسف الشديد، يُقال في الأغلب إنهم من زمن آخر، إلَّا من رحم ربي .
الوزير السابق الدكتور نجيب العوج ـ رحمه الله - سعى واجتهد من أجل شبكة اتصالات في عدن وسواها من المحافظات المحررة، لكنه اصطدم بالمزايدات والوعود الكاذبة؛ إذ قيل له: لماذا يُنفق المال الكثير على مشروع جديد أو توسعة مشروع وتطويره؟ .
ثم جاء هؤلاء بفكرة جاهزة، وهي شركة الاتصالات الإماراتية NX، فلم يعترض الوزير، بل رحّب بفكرة استثمارها . كانت الفكرة أن تقوم الشركة، في مدة وجيزة، بإنشاء اتصالات مستقلة وآمنة تغطي العاصمة المؤقتة عدن وكامل مساحة المحافظات المحررة .
تبخرت تلك الوعود، فإذا بالسفن المبحرة في المحيط، حاملة كل متطلبات شركة الاتصالات، بدت مجرد أوهام، وأخبار مضللة، وشطحات إعلامية كاذبة، سرعان ما ثبت أنها من عالم آخر، ومن ساعات نشوة القات؛ فلا سفن، ولا شركة اتصالات، ولا يحزنون.
واليوم، وبعد عقدٍ ونيف، نستفيق جميعًا على شبكة اتصالات تستخدمها المليشيات الحوثية في قتلنا بالطائرات المسيّرة والمقذوفات، وفي التجسس والمراقبة وجمع المعلومات، وتوظيف شبكة "يمن موبايل" و"YOU" في العمليات العسكرية .
وأكثر من ذلك، وصل الأمر إلى قطع الاتصال والإنترنت في تعز للتغطية على الانتهاكات بحق المدنيين، وإلى تعمّد المليشيات قطع الاتصالات في مناطق الاشتباك لأغراض عسكرية وأمنية، واستخدام شبكات الاتصال لنشر الشائعات والأخبار الزائفة والمعلومات المضللة.
وحمَّلت وزارة الاتصالات المليشيات الحوثية مسؤولية الأضرار الناجمة عن الاستخدام العسكري للشبكات، ودعت المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم، وحذَّرت المواطنين من مخاطر التجسس والمراقبة .
ولم يكتف بيان الوزارة بالشجب والاستنكار والتحذير، وإنما أورد أهم فقرة فيه، وهي: "العمل على توفير بدائل آمنة ومستقلة للاتصالات والإنترنت في المناطق المحررة". ما يعني أننا عدنا إلى المربع الأول الذي كنا فيه قبل أحد عشر عامًا، وكأنك يا أبا زيد لا سرت ولا جيت .
الخلاصة .. مع كامل احترامي للوزير، ومع تقديري للعقلية التي يفكر بها، ينبغي له ألا يكرر أخطاء أسلافه ؛ فأول ما ينبغي أن يعمله هو حسن اختيار الفريق الذي يعمل معه في ديوان الوزارة؛ فلا يمكن أن تُنجز البدائل الآمنة والمستقلة في المحافظات المحررة بالأدوات القديمة نفسها التي ثبت فشلها خلال الأعوام الماضية .
كما لا يمكن أن يتحقق أي نجاح بأولئك الذين كانوا سببًا في تعذّر كافة المبادرات والرؤى لحل مشكلة الاتصالات ومعالجتها .
نعم، الوزير لديه عقلية قادرة على إيجاد الحلول والمعالجات، لكنه ينقصه أصحاب الهمم العالية، والعقول المحدَّثة بأحدث إنجازات التقنية، وأضف إلى ذلك، وهو الأهم، دعم الحكومة والرئاسة، دون مواربة أو حسابات ضيقة خاطئة ، فالاتصالات ليست خدمة فحسب، وإنما هي سيادة وأمن؛ ومن لا يملك شبكته الآمنة، لا يملك قراره .**
محمد علي محسن