آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-09:20م

اليمن.. ملكية مستترة برداء الجمهورية

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 07:53 م
محمد ناجي


يمر اليمن اليوم بواحد من أخطر المنعطفات التاريخية في مسيرته السياسية، حيث تتآكل المكتسبات الوطنية التي دفع اليمنيون ثمنها قوافل من الشهداء في ثورات سبتمبر وأكتوبر. المفارقة الصادمة والعميقة التي يعيشها الواقع اليمني المعاصر تتجسد في تحول النظام عملياً في بعض مناطق النفوذ إلى نمط حكم ملكي سلالي مستتر، يختبئ قسراً خلف لافتة الجمهورية اليمنية والشعارات الثورية والمؤسسات الصورية.

لقد قامت الجمهورية في شمال اليمن عام 1962 لتنهي عقوداً من الحكم الإمامي الملكي الذي قام على الحق الإلهي المزعوم والتمييز الطبقي والسلالي. غير أن المشهد الراهن يُظهر بوضوح ارتداداً عنيفاً نحو قيم الإمامة البائدة؛ حيث تُدار السلطة، وتُوزع المناصب والثروات، بناءً على حسابات القرابة والنسب والسلالة، في إعادة إنتاج صريحة للنظام الملكي القديم ولكن بآليات ومسميات حديثة. أصبح الجمهور الذي يُفترض أنه مصدر السلطات مجرد غطاء لتشريع حكم الفرد أو الأسرة أو الجماعة المصطفاة.

تكمن معضلة اليمن في أن الواجهة الدستورية للبلاد لا تزال تحمل اسم الجمهورية، بينما الممارسات على الأرض تنسف جوهر العقد الاجتماعي الجمهوري القائم على المواطنة المتساوية، والتدوير السلمي للسلطة، والكفاءة. إن إفراغ الجمهورية من مضمونها الديمقراطي وتحويلها إلى مجرد ملكية عائلية أو سلالية مقنّعة لا يهدد السلم الأهلي داخل اليمن فحسب، بل يضرب في الصميم استقرار المنطقة بأسرها؛ فالأنظمة الهجينة التي تفتقد للشرعية الشعبية الحقيقية غالباً ما ترتهن لمشاريع إقليمية توسعية لضمان بقائها.

إن استعادة روح الجمهورية في اليمن ليست ترفاً فكرياً أو مجرد تغيير في المسميات السياسية، بل هي ضرورة وجودية لإنقاذ الهوية الوطنية. إن إصرار القوى الممسكة بزمام الأمور في بعض الجغرافيات اليمنية على ممارسة الحكم بعقلية الملكية المطلقة مع التمسك بالاسم الجمهوري يعكس حالة من الانفصام السياسي التي لن تقود البلاد إلا إلى مزيد من التشظي.

يحتاج اليمنيون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى التمسك بجوهر النظام الجمهوري الحقيقي القائم على المؤسسات والمواطنة وتكافؤ الفرص، ورفض كل أشكال التوريث والاستعلاء السلالي المقنع، كي لا يستيقظوا يوماً على وطن يُحكم بـ الملكية فعلياً ويدّعي الجمهورية اسماً.