آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-09:20م

تعز تختنق تحت الحصار مدينة بأكملها رهينة الموت والجوع والحرمان

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 07:51 م
مطيع سعيد سعيد المخلافي


لم يعد ما تشهده مدينة تعز مجرد أزمة إنسانية عابرة بل كارثة مفتوحة تتسع فصولها كل يوم فيما يدفع نحو مليون ونصف المليون إنسان ثمن الحصار والقصف وإغلاق المنافذ من أرواحهم ولقمة عيشهم وحقهم في الحياة.

بعد نحو شهر من الحصار الخانق واشتداد المواجهات العسكرية في الأطراف الغربية والجنوبية للمدينة تبدو تعز وكأنها تُدفع تدريجياً نحو هاوية إنسانية شاملة في مشهد تتداخل فيه مآسي الجوع والعطش والمرض والنزوح وتتساقط فيه مقومات الحياة واحدة تلو الأخرى وسط معاناة مدنية لا تجد ما يوقف نزيفها.

إن إغلاق الطرق والمنافذ الرئيسية لم يكن مجرد إجراء عسكري انعكست آثاره على حركة التنقل بل تحول إلى خنق شامل للحياة بعدما تعثرت الإمدادات التجارية والإغاثية وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسب وصلت إلى 50% وحُرم مئات الآلاف من المساعدات الطارئة وأصبحت الأسر عاجزة عن تأمين أبسط احتياجاتها اليومية.

وفي مدينة تعاني أصلاً من هشاشة الخدمات تتفاقم أزمة المياه والوقود بصورة تنذر بكارثة أكبر إذ تراجع إنتاج المياه بشكل حاد وأُغلقت عشرات محطات الوقود ووكالات الغاز المنزلي وتعذر وصول صهاريج الوقود اللازمة لتشغيل مرافق المياه والخدمات لتتحول أبسط مقومات الحياة إلى معركة يومية يخوضها السكان.

أما القطاع الصحي فيواجه واحدة من أخطر مراحل الانهيار مع توقف وتراجع الخدمات في مستشفيات ومراكز صحية عديدة ونقص الأدوية والأكسجين ومستلزمات الغسيل الكلوي في وقت بات فيه مرضى الفشل الكلوي والسرطان والأطفال الأكثر عرضة للموت بسبب انقطاع العلاج وتعذر الحصول على الرعاية الطبية. وليس أقل خطورة من ذلك تكدس النفايات في الشوارع وعجز فرق النظافة عن أداء مهامها بما يفتح الباب أمام انتشار الأوبئة والأمراض.

ولأن الحصار لا يستهدف حاضر المدينة وحده فإن مستقبلها أيضاً يتعرض لضربة قاسية فقد أُغلقت جميع المدارس وتعطلت تسع جامعات وحُرم نحو نصف مليون طالب وطالبة من مواصلة تعليمهم في كارثة تعليمية تهدد جيلاً كاملاً بالضياع وتترك آثاراً عميقة على مستقبل المجتمع لسنوات طويلة.

وتتسع دائرة المأساة مع تصاعد النزوح الداخلي وتوقف الأنشطة التجارية وتآكل مصادر دخل الأسر وتفاقم الفقر والبطالة حتى لم يعد هناك منزل بمنأى عن آثار الحصار ولا قطاع قادر على مواصلة أداء دوره بصورة طبيعية.

إن أخطر ما في مشهد تعز اليوم أن الكارثة لم تعد محصورة في ضحايا القصف والاشتباكات بل امتدت لتطال تفاصيل الحياة اليومية لمئات الآلاف من المدنيين من رغيف الخبز وقطرة الماء إلى جرعة الدواء ومقعد الدراسة.

إن استمرار هذا الوضع يمثل اختباراً حقيقياً لمسؤولية الأطراف المعنية ولجدية المواقف الإنسانية والحقوقية تجاه معاناة المدنيين. فلم يعد مقبولاً أن تظل مدينة كاملة رهينة إغلاق الطرق والمنافذ وأن يتحول الغذاء والدواء والماء والتعليم إلى ضحايا إضافيين للحرب.

تعز لا تحتاج إلى مزيد من بيانات القلق والتضامن بل إلى تحرك عاجل وملموس ينهي حصارها ويفتح طرقها ويضمن وصول الغذاء والدواء والوقود والمساعدات الإنسانية دون قيود.

فالحصار لا يخنق مدينة فحسب بل يخنق حياة مليون ونصف المليون إنسان ويهدد حاضرهم ومستقبل أبنائهم. وإنقاذ تعز من هذه الكارثة لم يعد مطلباً محلياً فحسب بل واجباً إنسانياً وأخلاقياً لا يحتمل التأجيل.