آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-09:20م

الفضيلة المستعارة

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 07:45 م
فادي الفقيه


من أخطر ما يمكن أن يصيب الوعي الإنساني أن تتحول المبادئ إلى مفاهيم انتقائية، وأن تصبح المعايير الأخلاقية خاضعة للأهواء والمصالح، فنؤمن بالحقيقة حين تكون في صفّنا، وننكرها حين تقف في صفّ الآخرين، نناصر الحق ما دام يخدم مصالحنا، ثم نبحث عن مبررات للتحايل عليه حين يصبح في صالح غيرنا.. والسؤال هنا: هل نؤمن بالمبادئ لأنها قيم ثابتة، أم لأنها تخدم مصالحنا؟

إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في ادعاء الفضيلة فحسب، بل في تجزئتها وتوظيفها وفقاً لما تقتضيه المصلحة، أن نتمسك بالأخلاق حين نحاكم الآخرين، ثم نمنح أنفسنا استثناءات في تجاوز بعض القواعد الأخلاقية وصولاً إلى الغاية، وأن نطالب بالعدالة حين نكون ضحاياها، ثم نتجاهلها ولا نكترث بها حين تنتهك حقوق الآخرين وحرياتهم، عندما نناصر الإنسانية فقط إذا وقعت تحت دائرة الانتماء، للعائلة أو القبلية أو الدولة أو الدين والايديولوجيا ، أما في حال وقعت انتهاكات إنسانية خارج هذه الدائرة، يصبح الأمر اقل شأناً، وكأن قيمة الانسان يحددها دفتر الهوية، لا قيمة الإنسان ذاته، وتتحول الاخلاقيات والمبادئ حينها مجرد أدوات نستخدمها لإدانة خصومنا وتبرير أخطائنا.

وهنا تتجلى ازدواجية المعايير البشرية، أن يكون الفعل نفسه فضيلة حين يصدر عنا، ورذيلة حين يصدر عن غيرنا، وأن تصبح الحقيقة مقدسة إذا خدمت روايتنا، ومشكوكاً فيها إذا هددت قناعاتنا، وكأن الحق والقيم مبادئ متغيرة المقاسات والأبعاد، وكأن العدالة تفقد قيمتها حين لا تمنحنا ما نريد !

لكن الحقيقة التي ينبغي أن ندركها هي أن الأخلاق والفضيلة والقيم الإنسانية لا تقبل التجزئة، ولا المساومة والانتقاء، ولا تتبدل بتبدّل المصالح، ولا تمنح حصراً لمن نتفق معهم، أو ينتمون لثقافتنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالحق لا يصبح باطلاً لأن خصمنا يقف في صفه، والظلم لا يصبح عدلاً لأننا المستفيدون منه، كما أن الخطأ لا يتحول إلى صواب لمجرد أننا من ارتكبه، والمجرم في الأمس لن يصبح بطلاً في رواية اليوم، مهما كان انتماءه!

إن الاختبار الحقيقي لأخلاق الإنسان وقيمه المتأصلة لا المستعارة، لا تظهر حين ينتصر الحق لرغباته، بل حين يتعارض الحق مع مصالحه ومصالح ذويه، ولا تتجلى نزاهته حين يدين أخطاء الآخرين، بل حين يمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأخطائه، ومحاسبة نفسه بالمعايير ذاتها التي يحاكم بها الآخرين.

إننا لا نكون أخلاقيين لمجرد أننا نتحدث عن الأخلاق أو نرتدي ثوبها، ولا متدينين لمجرد ممارسة الطقوس والشعائر الدينية، ولا أنصاراً للحق لمجرد أننا نرفع شعاراته، فالمبادئ التي تتغير بحسب هوية أصحابها ليست مبادئ راسخة، والفضيلة التي تُفصّل على مقاس المصلحة ليست فضيلة، بل قناعٌ يتبدل شكله كلما تبدلت الغايات والمصالح.

إن جوهر الأخلاق أن نحتكم إلى المعيار نفسه، سواء أنصفنا أم أداننا، وسواء خدمنا أم خدم غيرنا، وما دون ذلك ليس انتصاراً للحق، بل انتصار للذات متخفّياً خلف شعارات الحق، الوطنية، الدين والقبيلة والسياسة، وليس تمسكاً بالفضيلة، بل توظيفها في خدمة الأهواء.. فالحق لا يتجزأ بتعدد الانتماءات، والأخلاق لا تتبدل بتبدل المصالح، ومن يفعل ذلك لا يملك مبادئ حقيقية، بل فضيلة مستعارة.