آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-09:20م

حين تصمت المدافع وتُغلق المدارس: أين يقف التعليم اليمني من ثورة "التعليم عن بعد"؟

الأحد - 01 نوفمبر 2026 - الساعة 07:41 م
عدنان زين خواجه


في زمن الأزمات والحروب، يُقاس رقي الدول بقدرتها على حماية حق أجيالها في المعرفة؛ فبينما تحولت شاشات الحواسيب والأجهزة اللوحية في معظم بلدان العالم إلى غرف صفية بديلة تضمن استمرار التدفق المعرفي دون انقطاع، يقف الطالب اليمني أمام واقع تعليمي مأزوم تتقاذفه عشوائية التخطيط، وغياب البنية التحتية، وانهيار مقومات الصمود المؤسسي.

الفجوة الرقمية: دروس العالم وغياب الاستجابة

أثبتت التجارب الدولية الحديثة—إبان تفشي الأوبئة أو اندلاع النزاعات المسلحة—أن "التعليم عن بعد" لم يعد ترفاً تقنياً، بل خط دفاع استراتيجي لحماية الأمن القومي والمجتمعي. استثمرت الدول التي تضع الإنسان في صدارة أولوياتها في شبكات ألياف ضوئية تصل إلى أبعد القرى، ورقمنة المناهج الدراسية، وتوزيع الأجهزة اللوحية لضمان تكافؤ الفرص.

في المقابل، يرزح المشهد التعليمي في اليمن تحت وطأة التراجع المزمن؛ إذ لا تزال شبكات الإنترنت والاتصالات ضعيفة ومحصورة، وتفتقر معظم العزل والمديريات إلى أدنى مقومات الطاقة والاتصال، مما جعل فكرة الانتقال السلس نحو التعليم الإلكتروني مجرد تطلعات تصطدم بجدار الإهمال وغياب الرؤية الرسمية.

من التسرب إلى التجهيل: تداعيات الأزمة القائمة

لم تعد مشكلة التعليم في اليمن مقتصرة على فترات الطوارئ فحسب، بل باتت مساراً معقداً يقود آلاف الطلاب سنوياً نحو التسرب المدرسي حتى في الظروف الطبيعية. ومع تفاقم الصراعات والأزمات الاقتصادية، تحولت المدارس إلى مبانٍ معطلة أو غير آمنة، دون وجود أي خطط طوارئ حقيقية قادرة على استيعاب الطلاب خارج جدران الفصول التقليدية. هذا الفراغ حوّل جيلاً بأكمله إلى وقود للأزمات بدلاً من أن يكون رافعة لإعادة الإعمار والتنمية.

المعلم والمناهج: ركائز مهدورة

لا يمكن الحديث عن استنهاض التعليم دون الوقوف عند ركنه الأساسي: المعلم. يعيش التربوي اليمني ظروفاً معيشية بالغة القسوة في ظل انقطاع الرواتب وتآكل قيمتها الشرائية، مما أدى إلى نزيف الكفاءات وتراجع شغف العطاء داخل الصفوف.

يوازي ذلك جمود المناهج التعليمية التي لا تزال أسيرة قوالب تقليدية لا تواكب التطور العلمي والتقني المتسارع، بل تعرضت في كثير من المحطات للتسييس والتشويه بدلاً من إعادة هيكلتها لتنمي مهارات التفكير النقدي، والتحول الرقمي، والتعلم الذاتي.

متطلبات الإنقاذ: نحو مجلس وطني أعلى للتعليم

إن انتشال التعليم اليمني من كبوته الراهنة يتجاوز قدرة وزارة التربية والتعليم بمفردها، ويتطلب إرادة سياسية عليا تعيد ترتيب الأولويات الوطنية عبر خطوات حاسمة:

* تأسيس مجلس وطني أعلى للتعليم: هيئة سيادية ترسم السياسات العامة، وتوحد القرار التعليمي، وتضع الاستراتيجيات الممتدة لمعالجة مخرجات التعليم وربطها بسوق العمل واحتياجات البناء.

* إقرار خطط طوارئ مستدامة: وضع بروتوكولات بديلة تضمن استمرار التعليم عبر الإذاعة التعليمية، المنصات الرقمية المخففة (التي تعمل بأقل نطاق ترددي)، والكتب التفاعلية غير المتصلة بالشبكة (Offline Solutions).

* إعادة الاعتبار للكادر التربوي: تأمين حقوق المعلمين المالية والصحية، وتدريبهم على تقنيات الإدارة الصفية الرقمية واستراتيجيات التعليم النشط.

* الاستثمار في البنية التحتية الرقمية: تسخير جزء من موارد الدولة والمنح الدولية لتزويد المدارس والمراكز الريفية بمصادر الطاقة البديلة وتغطية الإنترنت.

* تحديث وتطوير المناهج: تنقية المقررات الدراسية من أي صبغات إيديولوجية وتضمينها أساسيات التكنولوجيا والعلوم الحديثة لبناء عقول تواكب العصر.

التعليم ليس قطاعاً خدمياً ثانوياً ينتظر استقرار الأوضاع السياسية للالتفات إليه، بل هو شرط التعافي الأول؛ وأي دولة تترك طلابها لمصير الجهل وقت الأزمات إنما تُسقط مستقبلها من الحسابات عمداً.