من يطالع تفاصيل الأزمة الممتدة في العاصمة عدن، يدرك أن المعاناة التي يكابدها الناس في ظلمات بيوتهم وعلى شوارعهم المنهكة في ذروة كل صيف لم تعد بحاجة إلى مزيد من الوصف اللغوي أو الإنشائي. غير أن ما تكشفه وثيقة البنك الدولي الخاصة بمشروع التعافي من أزمة قطاع الكهرباء يضعنا أمام مواجهة صريحة مع الذات، وينقل المسألة برمتها من مجرد نقص طارئ في كميات الوقود أو عجز مؤقت في محطات التوليد، إلى تداعي البنية المؤسسية وإخفاق الإدارة وضعف حوكمة الموارد.
لقد ظل الخطاب السائد في تفسير الأزمة طوال سنوات يختزل المشكلة في الجانب الفني الصرف، وكأن الحل يكمن دائماً في استقدام سفينة وقود جديدة أو إضافة مولدات ترقيعية إلى الخدمة. غير أن قراءة الأرقام تكشف أن المنظومة تستهلك نفسها من الداخل؛ إذ إن وصول نسبة الفاقد الفني والتجاري إلى نحو 44% يعني ببساطة أن ما يقارب من نصف الطاقة المنتجة لا يصل إلى مستحقيه، إما بسبب تهالك شبكات النقل والتوزيع والأحمال الزائدة، أو نتيجة الاختلالات في منظومة الفوترة والتحصيل وضعف ضبط الاعتداءات على الشبكة.
ومن هنا فإن المحاولات المتكررة لمعالجة هذه الأزمة عبر حلول مجتزأة تشبه استنزاف الموارد في خزان تتسع ثقوبه يوماً بعد يوم. فالطاقة المتولدة، مهما بلغ حجمها، ستظل عرضة للهدر ما لم ترافقها شبكات نقل وتوزيع كفؤة، وإدارة مالية قادرة على استرداد التكاليف وصيانة الأصول. وما يثير الانتباه في التشخيص غياب الإطار التنظيمي المستقل، وتشتت الصلاحيات، وتعطيل التشريعات الناظمة للقطاع، وهو ما أوجد بيئة مؤسسية رخوة تضيع فيها المسؤوليات وتتراكم المستحقات المالية غير المحصلة، لا سيما لدى الجهات الحكومية.
ولعل من يتأمل ما حملته وثائق البنك الدولي الأخيرة بشأن قطاع الطاقة يدرك أن ما كابدته العاصمة عدن على مدى سنوات لم يكن سوى نتيجة لمنظومة أُديرت بعقلية الإطفاء المؤقت، دون النظر إلى جوهر النزيف الممتد من محطات التوليد إلى عدادات الاستهلاك. فحين تكشف الأرقام عن فاقد فني وتجاري يقترب من نصف الطاقة المنتجة، فإن ذلك يعني أن جزءاً كبيراً من الجهد والموارد يتبدد عبر شبكات توزيع متهالكة، ويضيع في دهاليز تحصيل غائب وحوكمة معطلة، قبل أن يصل إلى بيوت المواطنين الذين يسددون الثمن مرتين؛ مرة من راحتهم، وأخرى من قوت يومهم.
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في قلة الدراسات أو غياب التوصيات، فقد استهلكت الأزمة سنوات طويلة من التقييم والتشخيص، وإنما في غياب الإرادة التي تحول هذه القراءات إلى قرارات شجاعة تحمي المال العام وتضع حداً لصناعة الطوارئ. لقد اعتادت الإدارات المتعاقبة إدارة الملف عبر استئجار الطاقة وتدوير عقود الوقود، وهي معالجات أشبه بمن يصب الماء في إناء كثير الثقوب، في ظل سيولة تنظيمية وتشتت للصلاحيات بين مؤسسات تتنازع القرار وتتهرب من المسؤولية، بينما تعطلت التشريعات النافذة وغاب الدور الرقابي المستقل الذي يفترض به ضبط الأداء ومحاسبة المقصرين.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي لقطاع الكهرباء دون إعادة النظر في آلية اختيار القيادات الإدارية والهندسية والفنية، ووضع حد للتعيينات القائمة على المحاصصة السياسية والاعتبارات القبلية والمناطقية، التي كثيراً ما تقدم الولاءات على حساب الكفاءة والخبرة والتخصص. فالقطاعات الحيوية لا تقوم بالمجاملات، ولا تُمنح مواقعها باعتبارها حصصاً مستحقة، وإنما تحتاج إلى كوادر مؤهلة تمتلك المعرفة الفنية والخبرة الإدارية والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. إن وضع الرجل المناسب في المكان المناسب شرط أساسي لإنقاذ المؤسسات من الترهل والسقوط، وضمان إدارة الموارد العامة وفق معايير مهنية، بعيداً عن الولاءات الضيقة.
ولا يمكن لقطاع حيوي كالكهرباء أن يستقيم في ظل استمرار تآكل الإيرادات، وتراكم المستحقات غير المسددة لدى الجهات الرسمية ذاتها، مع عجز المؤسسة الخدمية عن استرداد الحد الأدنى من تكاليف الإنتاج والتشغيل. هذا التعثر المالي والإداري يعرقل أي محاولة للصيانة والتطوير، ويجعل أي دعم خارجي أو استثمار جديد أقل قدرة على تحقيق أهدافه، ما لم تسبقه إصلاحات جادة تعيد بناء الهيكل الإداري والمؤسسي على قواعد من الشفافية والمساءلة والتدقيق المالي الصارم.
ويبقى التعافي الحقيقي لقطاع الكهرباء يقتضي الانتقال من سياسة شراء الوقت إلى معالجة مكامن الخلل، بدءاً من كفاءة شبكات النقل والتوزيع، مروراً بتأهيل محطات التحويل، وانتهاءً بإصلاح منظومة الفوترة والتحصيل. فالمشكلة لم تعد تحتمل مزيداً من التبريرات أو الحلول الاستهلاكية التي تستنزف الموارد دون أن تترك أثراً ملموساً، بينما تظل الأزمة قائمة وتتسع دائرة الخسائر عاماً بعد آخر.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هذه المدينة، التي صمدت في وجه تبدلات السياسة ومرارات الإهمال المتراكم، لا تنتظر اليوم صياغات جديدة للأزمة ولا وعوداً تتبخر مع أول موجة حر، بل تحتاج إلى نهج يضع حداً لثقافة الإفلات من المساءلة، ويعيد الاعتبار لهيبة الدولة في أبسط واجباتها الخدمية.
فالكهرباء اختبار حقيقي للنزاهة والإرادة الجادة في بناء مؤسسات تعمل من أجل الناس، لا على حسابهم. وقبل البحث عن مزيد من الإمكانيات، لا بد من إصلاح الإدارة، وإسناد المسؤولية إلى الكفاءات القادرة على توظيف الموارد وحمايتها.