الانتخابات النيابية والرئاسية حروب من نوع آخر. الأسبوع الماضي شهدنا ثلاث معارك انتخابية ضارية، جرت على الترتيب في ثلاثة بلدان (صربيا والبرازيل وإسرائيل) في ثلاث قارات (أوروبا وأميركا الجنوبية وآسيا) واستأثرت باهتمام العالم.
يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) تابعنا مجريات انتخابين في صربيا والبرازيل، وبعدها بيومين تابعنا مجريات معركة الانتخابات النيابية في إسرائيل. كما في الحروب العسكرية، المعارك الانتخابية تسفر عن فائزين وخاسرين. وفي الحملات الانتخابية السابقة ليوم الانتخابات تكون الحقيقة الضحية.
في صربيا جرت المعركة بين طرفين غير متكافئين، الأول محترف سياسة مخضرم له من الخبرة في دهاليز الحكم قرابة أربعة عشر عاماً، والثاني دفعت به الظروف إلى الميدان من دون سابق خبرة. ورغم ذلك كان النصر حليفه. ذلك النصر وصف بأنه زلزال سياسي. الوصف ليس مبالغة إعلامية لأنَّ الذين حققوه كانوا هواة، وعلى وجه الدقة كانوا طلاباً قادوا انتفاضة ضد فساد النخبة الحاكمة. القائمة الطلابية حظيت بدعم فئات عديدة من الناخبين، واستحوذت على 138 مقعداً برلمانياً من مجموع 250، وأصبح من حقها دستورياً تشكيل حكومة.
في البرازيل، جرت المعركة بين مترشحين: مترشح يساري يبلغ من العمر 81 عاماً، وهو الرئيس الحالي لولا دا سيلفا، ومترشح يميني شعبوي في الأربعينات من العمر يدعى فلافيو بولسونارو، سبق له الفوز بالجولة الأولى من الانتخابات في المدة القليلة السابقة. المعركة الانتخابية أسفرت عن فوز لولا دا سيلفا، وبذلك تكون المرّة الرابعة التي يتغلب فيها على خصومه في انتخابات رئاسية.
وتتمثل المشكلة التي ستواجهه في ولايته الرابعة، التي قد تكون الأخيرة، في أنه سيجد نفسه في مواجهة مجلسي النواب والشيوخ الخاضعين لهيمنة الحزب الليبرالي وحلفائه، بأكثر من 280 مقعداً من أصل 513 مقعداً في مجلس النواب، وما يصل إلى 50 من أصل 81 مقعداً في مجلس الشيوخ. الحزب الليبرالي هو الحزب اليميني الشعبوي الذي ينتمي إليه المترشح المهزوم فلافيو بولسونارو ووالده جايير بولسونارو، المدان في قضية مؤامرة انقلابية، والمحكوم عليه بالسجن مدة طويلة، وهو ملازم منزله ويخضع للحراسة بسبب وضعه الصحي السيئ.
تقول التقارير الإعلامية إنَّها المرة الأولى التي يتمكّن فيها مرشح رئاسي هُزم في الجولة الأولى من الانتخابات من قلب الطاولة على خصمه والفوز بالجولة الثانية، إذ لم يسبق للفائز بالجولة الأولى أن خسر انتخابات رئاسية. وبذلك يكون لولا دا سيلفا قد صنع تاريخاً ودخل التاريخ من أوسع أبوابه.
في إسرائيل اختلطت البيانات العسكرية التي تصدرها رئاسة الأركان عن عمليات حربية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بالبيانات الانتخابية عما يجري في ميدان المعركة الانتخابية قبل إجراء الانتخابات وأثناءها وبعد إغلاق مراكز الاقتراع وبدء عد الأصوات.
إسرائيل كما أبانت الانتخابات الأخيرة، وباتفاق المعلقين، لا تزال على عهدها من الانقسام، وازدادت الانقسامات داخلها عمقاً. في هذه الانتخابات كان الفلسطينيون في إسرائيل في مرمى النيران من عدة جبهات، والسبب في ذلك أنهم تمكنوا، للمرة الأولى، من توحيد الصف العربي (المسلم والمسيحي) ودخلوا الانتخابات بقائمتين وتمكنوا من إقناع الناخبين العرب بالتخلي عن لامبالاتهم بالانتخابات الإسرائيلية، وإقناعهم بالخروج من بيوتهم والتوجه إلى مراكز الاقتراع والإدلاء بأصواتهم.
في انتخابات سابقة، كان كثير من عرب إسرائيل لا يبالون بممارسة الحق الانتخابي حتى لا يضفوا شرعية على الانتخابات الإسرائيلية، وآخرون منهم كان امتناعهم لفقدانهم الثقة بجدوى التصويت. لكنهم بعد قرابة أربع سنوات تحت حكم اليمين الفاشي العنصري في أوضح وأسوأ تجلياته أدركوا أن بقاءهم في البيوت لن يفيدهم. الاستطلاعات الأولية تشير إلى فوز الأحزاب العربية بعدد 19 من مجموع 120 مقعداً، عدد مقاعد الكنيست الإسرائيلي. الفوز الانتخابي التاريخي نبّه المواطنين العرب إلى معنى اتحادهم وقوتهم وخوضهم المعركة في جبهة واحدة وفي الوقت نفسه أثار الذعر والخوف في صفوف اليمين اليهودي، خصوصاً حزب الليكود بقيادة بنيامين نتنياهو. والذين تابعوا الانتخابات يعرفون أن نتنياهو ركبه ستون عفريتاً وهو يرى الناخبين العرب يهرعون إلى مراكز الاقتراع بأعداد كبيرة، على نحو أفقده صوابه، فخرج في يوم الاقتراع في وسائل الإعلام، يصرخ؛ حاثاً أنصار اليمين اليهودي على مغادرة بيوتهم والتوجه إلى مراكز الاقتراع لأن العرب يسرقون الانتخابات. وأفادت أنباء باعتقال الشرطة الإسرائيلية ثلاثة من سكان النقب للاشتباه في محاولتهم شراء أصوات انتخابية.
القاسم المشترك بين الانتخابات في البلدان الثلاثة، كما ثبت من الانتخابات، أنها كشفت عن الانقسام المجتمعي فيها إلى حد يهدد السلم الاجتماعي. في صربيا، على وجه التحديد، أفضت النتائج إلى ما يشبه وضع نهاية لنظام سياسي وانبثاق آخر. وفي البرازيل، كان تقارب النتائج دليلاً على انقسام البرازيل إلى جبهتين متعاديتين من دون وجود جسر تواصل بينهما.
من جهة أخرى، فوز اليسار في البرازيل وضع حدّاً لزحف وتمدد أحزاب اليمين الشعبوي في أميركا الجنوبية، بعد سلسلة من الانتصارات المتوالية تمكنت من تحقيقها مؤخراً في عدد من البلدان.