آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

عدن خارطة ترسمها البطولات ويوجعها الغلاء

السبت - 31 أكتوبر 2026 - الساعة 07:01 م
محمد المسبحي


بين قسوة الواقع وصمود الأمل، ترتسم في الأفق صورة عدن، مدينة لا تكسرها النوائب ولا تحني هاماتها العواصف. إنها اللوحة التي تتداخل فيها ملامح الحياة اليومية الشاقة بصور البسالة والصبر الصامت؛ ففي أزقتها يمر الصغير يحمل حقيبته ورغيفه غير آبه بدوي الفجائع وعلى أطرافها يرابط حراسها، ساهرين على حمايتها في وجه العواصف والمحن وفي شوارعها يتزاحم العمال والمهندسون والكادحون يسابقون الزمن لإعادة بناء ما هدمته الأيام، متمسكين بأمل الحياة رغم وطأة الظروف وشظف العيش.

غير أن هذا الصمود الشعبي والاستثنائي لا يكتمل نوره إلا بإصلاح اقتصادي شجاع يلامس جوهر الأزمة ويمتد أثره إلى حياة الناس اليومية. لم يعد لدى السلطة الشرعية متسع لتأجيل الاستحقاقات المعيشية أو التراجع عن تعهداتها الصريحة في تحسين مستوى الخدمات وتصحيح الاختلالات الهيكلية المتراكمة. فالإصلاح الحقيقي يكمن بمدى قدرتها على إنقاذ المواطن من مخالب الأزمات دون أن يكون هو الطرف الذي يدفع الثمن دائماً.

ولعل أشد ما يؤرق الشارع اليوم هو استمرار الفجوة الحادة بين تحركات أسواق الصرف وبين واقع الأسعار في الأسواق التجارية. فقد كان المواطن ينتظر أن ينعكس تحسن سعر الصرف على قوته اليومي وتكاليف المعيشة ونفقات العلاج والنقل، غير أن الواقع أظهر مفارقة مؤلمة تجلت في انخفاض قيمة العملة الأجنبية مع بقاء أسعار السلع الأساسية عند مستوياتها المرتفعة السابقة. إن أي مسار إصلاحي يبدأ بحمل الأعباء على كاهل ذوي الدخل المحدود، ويغض الطرف عن تجفيف منافذ الهدر والفساد والتهرب، يظل مساراً قاصراً عن تحقيق التوازن والعدالة الاقتصادية المنشودة.

فالتحدي الراهن يفرض على الإدارة الحكومية اتخاذ خطوات جريئة تبدأ من ضبط الإنفاق العام، وتحصيل الإيرادات السيادية، وتعزيز موارد القطاعات الإنتاجية كالزراعة والسمكية والصناعة والاستثمار المحلي، وتقليل الاعتماد المطلق على الريع النفطي الذي تتهدده التجاذبات السياسية والعسكرية. وبالقدر نفسه من الأهمية، لا يمكن ترك المستهلك المنهك يخوض معركته وحيداً أمام جشع المضاربين وتجار الأزمات؛ ويتطلب الوضع تفعيل أدوات الرقابة الصارمة على الأسواق، وتأمين وصول العملة بالسعر الرسمي لتغطية واردات الغذاء والدواء، وتقديم حزم دعم مباشر وكافية للفئات الأشد فقراً واحتياجاً.

ولا تكتمل هذه الرؤية إلا بانتهاج المكاشفة والشفافية كخيار استراتيجي لا مناص منه. فمن حق المجتمع أن يدرك أبعاد الخطط الاقتصادية ومراحلها وتكلفتها، وأن يلمس الضمانات الكفيلة بحماية قدرته الشرائية من الانهيار. فالمحافظات المحررة لم تعد تحتمل مسكنات وقتية تُرحّل الأزمات ولا تعالجها، وانما هي بحاجة ماسة إلى بنية اقتصادية صلبة تُستثمر فيها الموارد العامة بوصفها محركاً للتنمية الشاملة وبناء المستقبل، وتتحول فيها الوعود إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في معيشته وكرامته.