لا خلاف على أن حماية المدنيين أثناء الحروب، وصون كرامتهم وحقن دمائهم، أهداف إنسانية نبيلة. وهذا هو الجانب الوحيد الذي يمكن الترحيب به في مؤتمر ميثاق الشرف القبلي اليمني الذي انعقد في جنيف، بمشاركة نحو مئة شخصية قبلية واجتماعية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا جنيف؟ ولماذا لا يُعقد مثل هذا المؤتمر في اليمن، حيث توجد القبائل التي يُراد لها أن تحمي المدنيين؟ أليس الأولى أن يمارس المؤتمِرون دورهم على الأرض، بدلاً من الاكتفاء بإعلان المواثيق في قاعات آمنة خارج البلاد؟
إن حماية المدنيين لا تتحقق بالتوقيعات والصور التذكارية، بل بمواقف عملية وقدرة حقيقية على منع الانتهاكات. والمؤسف أن بعض هذه التحركات تعيد إلى الأذهان دعوات النكف القبلي التي شهدناها في الجوف، وحذرنا منها في مقال سابق، لأننا لا نريد إعادة إنتاج ما خرج المواطنون من أجله، ولا استبدال سلطة بسلطة أخرى.
لقد عانى اليمنيون طويلاً من حكم السلالة، وثاروا ضد الحكم الملكي، ودفعوا أثماناً باهظة في سبيل استعادة الدولة. وليس من المنطقي أن تكون نهاية هذا الطريق العودة إلى حكم القبيلة والمشيخة.
نحن لا نناضل من أجل استبدال سيد بسيد، ولا حاكم بآخر، ولا نريد سلطة تعد الناس بالأجر بعد الممات، بينما تحرمهم من حقوقهم في الحياة.
نحن نطمح إلى دولة مدنية، يتساوى فيها المواطنون، ويسودها القانون، وتكون المواطنة فيها أساس الحقوق والواجبات، لا النسب ولا السلالة ولا المكانة القبلية.
لا دولة في ظل حكم السلالة، ولا دولة في ظل حكم الملك، ولا دولة في ظل حكم القبيلة. الدولة دولة القانون، وسيدها هو القانون.