حين يغترب المرء داخل وطنه، تصبح الشوارع المألوفة ملامح لقصة أخرى لا يشبهها شيء مما مضى. "صنعاء ليست صنعاء"، ليست مجرد عبارة عابرة يتداولها سكان المدينة القديمة أو أولئك الذين أُجبروا على مغادرتها، بل هي صرخة مكتومة تعبر عن حجم التحول الجذري الذي أصاب روح عاصمة التاريخ والحضارة الإنسانية.
صنعاء التي كانت ملاذاً للتنوع والتعايش، ومدينة تسع الجميع ببيوتها الطينية الشاهقة ونوافذها "القمريات" الملونة التي تعكس الضوء والأمل، تبدو اليوم مكبلة بملامح غريبة عن هويتها التاريخية. الشوارع التي كانت تضج بالحياة والشعر والفن، أصبحت مثقلة بمظاهر الشع
ارات والمظاهر المسلحة التي تفرض واقعاً جديداً يغير من السلوك الاجتماعي واليومي للسكان. لقد تبدلت الوجوه، وغابت الابتسامة الصنعانية المعهودة، وحل محلها وجوم يروي حكاية الكفاح اليومي من أجل البقاء.
إن التغيير الحقيقي الذي يجعل صنعاء تبدو وكأنها ليست صنعاء، لا يكمن فقط في الجدران والشوارع، بل في النسيج الاجتماعي والثقافي. فالمدينة التي عُرفت عبر العصور بأنها حاضنة لكل اليمنييين بمختلف مشاربهم ومناطقهم، تعيش اليوم حالة من الفرز وتراجع الحريات العامة. النخب الثقافية، المفكرون، والأدباء الذين كانوا يمنحون المدينة بريقها الفكري، إما غيبهم النزوح والاغتراب القسري، أو اختاروا الصمت بانتظار فجر جديد.
رغم كل محاولات التنميط وتغيير الهوية، تظل صنعاء القديمة، المدرجة على قائمة التراث العالمي، تقاوم طمس معالمها. تظل المآذن والأسواق القديمة مثل "سوق الملح" شاهدة على أن جوهر المدينة عصي على الانكسار. إن الحديث عن أن "صنعاء ليست صنعاء" هو محاولة لرفض الواقع المفروض، وتأكيد على أن الصورة الحالية ما هي إلا غيمة عابرة في تاريخ مدينة ممتدة لآلاف السنين.
ستظل صنعاء في قلوب محبيها هي رمز الأصالة والجمال، والبحث عن صنعاء الحقيقية هو بحث عن السلام، وعن الدولة التي تجمع ولا تفرق، وعن المدينة التي تفتح ذراعيها للحياة. إن كتابة هذه الكلمات هي دعوة للحفاظ على ما تبقى من روح هذه المدينة العظيمة، على أمل أن تعود صنعاء يوماً كما كانت، عاصمة لكل اليمنيين، وأيقونة للثقافة العربية الأصيلة.