تُطلّ المنطقة اليوم على مفترق طرق هو الأكثر حرجاً ودقة في تاريخها الحديث؛ فلم تكن الزيارة الرفيعة والمكثفة لوزراء دفاع دول حلف مكة إلى العاصمة الإيرانية طهران مجرد جولة دبلوماسية بروتوكولية، ولا حدثاً يندرج ضمن أروقة المجاملات السياسية المعتادة، بل إن هذا الحضور المكثف بأبعاده السياسية والعسكرية يشكل إنذاراً استراتيجياً أخيراً واختباراً حقيقياً لإرادة القيادة الإيرانية ونواياها الجادة.
تضع هذه الخطوة الفاصلة طهران أمام خيار تاريخي لا يقبل التجزئة: إما مغادرة خندق الميليشيات والصراعات بالوكالة والعودة إلى رحاب مفهوم "الدولة الوطنية" والشراكة الإقليمية المتكافئة، وإما الارتهان للماضي وتكاليفه الباهظة.
سيناريوهان لا ثالث لهما
تتجه الأنظار نحو ما ستسفر عنه هذه اللقاءات رفيعة المستوى، حيث تقف المنطقة أمام مسارين كلاهما يحدد ملامح المرحلة المقبلة:
مسار الحكمة والشراكة والتقاط الإشارة بعقلانية ورؤية نافذة قد يؤسس لمولد "شرق أوسط جديد"، ترتكز أركانه على التنمية المستدامة، والازدهار الاقتصادي، والأمن القومي المشترك الذي يحمي مصالح الجميع دون استثناء.
ومسار التعنت والأيديولوجيا فإذا غلبت العقائد الضيقة وحسابات المواجهة الصفرية، فسيكون التاريخ شاهداً على أن دول المنطقة قد مدّت يد السلام وسلكت كل الطرق الممكنة لتجنيب شعوبها ويلات الصراع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إن الرسالة التي حُملت بها هذه الزيارة واضحة ولا تحتمل التأويل: يد السلام ممدودة اليوم بمسؤولية واقتدار، لكن البديل سيكون فتح صفحة دامية ومظلمة في تاريخ المنطقة، وسيتحمل المسؤولية الكاملة والتاريخية مَن اختار رفض هذه اليد الممدودة والتعالي على فرص الاستقرار.
إنها لحظة حاسمة لتغليب عقل الدولة على منطق الميليشيا، ولاتخاذ قرار يحدد ملامح المستقبل للإقليم بأكمله.