لم تكن التربية العسكرية التي عرفناها في مدارس عدن مجرد حصة عابرة في جدول الدروس، بل كانت مادة لها جانبها النظري داخل الفصل، وجانبها العملي في ساحة المدرسة، ولكل منهما طريقته وأسلوبه.
وفي هذه الحلقة نواصل ما بدأناه في الحلقة الأولى، ونقترب أكثر من تفاصيل التجربة كما عشناها، بعيدا عن تكرار ما سبق توثيقه.
الدرس داخل الفصل
كانت مادة التربية العسكرية تدرّس داخل الفصل الدراسي مثل بقية المواد المقررة، فيجلس الطلبة لتلقي الدرس وتدوين الملاحظات والاستماع إلى شرح المدرس.
ولم يكن الأمر مقتصرا على الجانب النظري، فقد كان الدرس يتصل بتطبيق عملي يتعرف فيه الطالب على ما يتلقاه من معلومات، ومن ذلك ما يتعلق بالسلاح وأجزائه وطريقة فكّه وتركيبه، بحسب ما تلقيناه في تلك المرحلة.
من الفصل إلى ساحة المدرسة
أما الجانب العملي، فكان يجري خارج الفصل، في ساحة المدرسة، خلال الحصة المخصصة للمادة.
كان الطلبة يخرجون إلى الساحة للتدريب والتطبيق، وكان العمل يجري بصورة جماعية ومنظمة، وفق الحصة والجدول المدرسي. ولم يكن التدريب منفصلا عن الدرس الذي تلقيناه داخل الفصل، بل كان امتدادا له، حتى ينتقل الطالب من الاستماع وتدوين الملاحظات إلى المشاهدة والتطبيق.
ومن التفاصيل التي بقيت في الذاكرة أن أحد الطلبة كان يُختار أحيانا لتنفيذ التطبيق أمام زملائه، فيتابع بقية الطلبة ما يقوم به، ويتعرفون بصورة عملية على الخطوات المطلوبة.
وهكذا اجتمع في هذه المادة جانبان متكاملان: درس داخل الفصل، وتطبيق عملي في ساحة المدرسة.
الأستاذ حسن موتي في مدرسة باذيب
ومن الأسماء التي لا بد أن تحفظها هذه الشهادة اسم الأستاذ حسن موتي، الذي أتذكره مدرسا لمادة التربية العسكرية ومدربا للطلبة في مدرسة باذيب بعدن.
وذكر هذا الاسم هنا ليس أمرا عابرا، بل هو جزء من حفظ ذاكرة المدرسة ورجالها الذين ارتبطوا بتلك المرحلة، حتى تبقى شهادات من عرفوهم وعاشوا التجربة مصدرا لتوثيق تاريخ التعليم والحياة المدرسية في عدن.
هل كان التدريب خارج المدرسة؟
من المهم هنا أن نميز بين ما عشناه نحن في مرحلتنا الدراسية وبين ما كان يجري في مراحل أو مواقع أخرى.
فبحسب شهادتي، كان تدريب طلبة مرحلتنا داخل المدرسة، بين الفصل الدراسي وساحة المدرسة، ولم نذهب نحن إلى المعسكر لتلقي التدريب.
وفي المقابل، شمل الاهتمام بالتدريب العسكري فئات أخرى، من بينها المدرسون وموظفو الدولة، رجالا ونساء. وهذه تجربة لها تفاصيلها وظروفها، وتستحق أن توثق في موضعها المناسب، دون أن نخلط بينها وبين تجربة الطلبة داخل مدارسهم.
شهادة من الذاكرة
إن تدوين هذه التفاصيل لا يعني أن كل مدرسة كانت بالضرورة تعيش التجربة نفسها بكل جزئياتها، وإنما هو تسجيل لما عايشناه وتذكرناه، مع الحرص على وضع كل واقعة في سياقها الصحيح.
فالذاكرة التاريخية لا تحفظها العناوين الكبيرة وحدها، بل تحفظها أيضا تفاصيل الحصة، وطريقة الشرح، وساحة المدرسة، وأسماء المدرسين، وما بقي في ذاكرة الطلبة بعد مرور السنوات.
وهذه الحلقة امتداد للأولى وليست تكرارا لها؛ أما الاستعراضات والكرنفالات الطلابية والفرقة النحاسية، فلها حديث مستقل في حلقة قادمة، حتى نعطي كل موضوع حقه.
يتبع... من ذاكرة عدن.
✍️ إحسان إبراهيم