آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

فلتسامحني عدن أني ما خنت العهد

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 08:19 م
محمد المسبحي


عندما تُحال الشرفات الناطقة بالحق إلى التحقيق، ويُساق من يطالب بقطع دابر الفساد إلى أروقة الشؤون القانونية، لا يملك المتابع للمشهد إلا أن يستحضر واحدة من أقدم المفارقات في تاريخ الإدارة والسياسة مفارقة الشريف الذي يصبح، في نظر المنظومة المتآكلة، متهما، بينما يستقر العابث بالمال العام في موقع الآمر الناهي.


تلك الكلمات التي أطلقها رجل رفض المداهنة واستند إلى ضميره لم تكن مجرد زفرة ألم، بل وثيقة إدانة لواقع انقلبت فيه الموازين، وأصبح فيه الحفاظ على الذمة النظيفة تهمة يُحاسب عليها صاحبها في ظل إجراءات تبدو وكأنها وُضعت لحماية المفسدين بدلا من محاسبتهم.


إن ما جرى مع ذلك الموظف الأبي ليس حادثة عادية يمكن تجاوزها بتضامن مؤقت، وانما هو مؤشر إلى خلل أعمق ينخر في جسد مؤسساتنا، فحين تتحول الإجراءات الإدارية والقانونية إلى وسيلة للترهيب والإخضاع بدلا من أن تكون أداة لإحقاق الحق وصون كرامة الموظف.


وحين تُدفن ملفات الفساد الكبرى في الأدراج، وتُفتح أبواب المساءلة في وجه من كشف المستور، تتلقى الضمائر الحية رسالةً قاسية مفادها أن الصدق تهمة، وألصمت قد يكون الطريق الأقصر للنجاة. غير أن التاريخ لم يسجل أن المفسدين بنوا دولة ولا مؤسسة ولم تستطع جدران السجون يوما أن تحبس المبادئ أو تطمس صوت الحق، مهما حاولت النفوس الضعيفة إسكات صداه.


لقد اختار ذلك الرجل طريقه بإرادته، مدركا أن ضريبة الثبات في زمن الاهتزاز باهظة، وأن العهد الذي قطعه لعدن وأهلها لا يُباع في سوق المناصب، ولا يُقايَض بالمكاسب الضيقة. ولئن ظن البعض أن الإحالة إلى الشؤون القانونية أو الحبس المؤقت كفيلان بكسر هذه الإرادة، فإنهم يجهلون طبيعة الرجال الذين صاغتهم المبادئ؛ فالأجساد قد تُقيّد خلف الأسوار، لكن الكرامة تظل حرة، تحلّق في فضاء أرحب من أن تطاله قيود السجان.


فلتسامحني عدن إن ضاقت بي السبل، وإن وجدت نفسي في مواجهة من كان الأولى بهم أن يقفوا في صف الحق. فوالله ما خنت العهد ولا ساومت على الأمانة، ولا اخترت الصمت حين كان الكلام واجب عاهدتك أن أكون صوت للحق، وأن أظل وفي ولم يكن ذلك العهد يوما مرتبطا بمنصب أو مكسب، وانما كان التزام أمام الضمير والمبدأ، وعهدا لا تسقطه الضغوط ولا تبدّله المغريات.


ستبقى عدن، بما تحمله من تاريخ نضالي عريق، وفيةً لأبنائها الأحرار الذين لم يخونوا ترابها ولم يفرّطوا في أمانتها. وسيذكر الزمن أن هناك من دفع ثمن موقفه لأنه رفض الباطل، وتمسك بما رآه حق في حين ستتوارى أسماء المنتفعين في زوايا النسيان، مهما علت مواقعهم أو طال نفوذهم.


إن ليل الظلم، مهما اشتدت ظلماته وطال أمده، ليس قدرا أبديا وإن فجر الحق قد يتأخر، لكنه يظل أملا يقتات على ثبات الصادقين وإصرارهم. وما بين العهد والموقف، تبقى الكرامة أغلى من المنصب وتبقى عدن أكبر من كل من يظن أن بإمكانه إسكات صوت أبنائها.


فلتسامحني عدن.. فما خنت العهد، ولن أبيع الأمانة، ولن أكون شاهد زور على ما أراه باطلا.


وسلام على كل رجلٍ اختار أن يدفع ثمن قول الحق، ولم يقبل أن يدفع من كرامته ثمن الصمت، أو من ضميره ثمن النجاة؛ فبعض المواقف قد تكلّف صاحبها الكثير، لكنها وحدها ما يجعله قادرا على الوقوف أمام نفسه مرفوع الرأس.