آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:30م

شرّ البليّة ما يُضحك: لصوصٌ يسرقون الشعب باسم الوطنية!

الخميس - 29 أكتوبر 2026 - الساعة 10:07 ص
صلاح البندق


يا للمفارقة! يحرص بعضهم على تحريم لقمةٍ من لحم الخنزير، لكنه لا يتردد في ابتلاع حقوق شعبٍ بأكمله!

يتحدثون عن الحلال والحرام، ويرفعون شعارات الدين والوطنية، وربما أطالوا الحديث عن الأخلاق والمبادئ، لكنهم حين تصل المسألة إلى المال العام، تسقط الأقنعة، وتتحول الوطنية عندهم إلى لافتةٍ كبيرة تُغطّي جيوبًا لا تشبع!

لا يأكلون لحم الخنزير لأنه حرام، لكنهم يأكلون الحرام وكأن حقوق الفقراء حلالٌ لهم!

إنهم لصوص قوت الشعب؛ قوت الفقراء والأيتام والمساكين والأرامل وذوي الإعاقة، وأولئك الذين ينتظرون راتبًا يسدّ رمق أطفالهم، بينما ينتظر آخرون فرصةً جديدة لاقتسام ما تبقّى من أموالهم!

أيُّ وطنيةٍ هذه التي تتغذّى على جوع المواطنين؟ وأيُّ نضالٍ هذا الذي يزداد أصحابه ثراءً، بينما يزداد الشعب فقرًا وانكسارًا ؟

المؤلم ليس أن يُسرق المال العام فحسب، بل أن تُرتكب السرقة باسم الوطن، وأن يُنهب حق المواطن تحت شعارات التضحية والوفاء، وأن يتحول الفاسد إلى خطيبٍ في الوطنية، والناهب إلى واعظٍ في الأخلاق، وصاحب الجيب الممتلئ إلى متحدثٍ باسم شعبٍ لا يجد ما يملأ به معدته !

شرُّ البليّة ما يُضحك!

يُحسن بعضهم التفريق بين الحلال والحرام حين يتعلق الأمر بمائدته، لكنه يفقد هذه القدرة العجيبة حين يتعلق الأمر بمائدة الفقير!

فمن يسرق قوت اليتيم، ويحرم الأرملة، ويستغل حاجة المعاق، ويعبث برواتب الموظفين، لا تنفعه ألفُ لافتةٍ وطنية، ولا تمنحه الشعارات صكَّ براءة؛ لأن الوطنية ليست خطاباتٍ تُلقى، ولا شعاراتٍ تُرفع، بل أمانةٌ تُصان وحقوقٌ لا يجوز الاعتداء عليها.

ولكي لا نخلط الأوراق: لسنا هنا بصدد إطلاق الأحكام على الناس من مظاهرهم أو معتقداتهم، بل محاسبتهم على أفعالهم؛ فالمعيار الحقيقي ليس ما يقوله المرء عن نفسه، بل ما يفعله بحق الآخرين.

والسؤال الذي يستحق أن يُطرح على كل مسؤول: إذا كنتَ لا تقبل أن يُؤخذ من جيبك ريالٌ واحد بغير حق، فبأي منطقٍ تستبيح أموال شعبٍ كامل؟

ختامًا، إذا كانت الوطنية عند البعض وسيلةً للثراء، والنضال طريقًا إلى الامتيازات، والدين ستارًا لتجميل الصورة، فاعلموا أن الشعارات قد تخدع الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إطعام جائع، ولا إعادة حق مسلوب، ولا غسل يدٍ تلطخت بالفساد.

فالوطنية التي تسرق قوت الشعب ليست وطنية، والنضال الذي يُطعم أصحابه ويُجوّع جماهيره ليس نضالًا؛ بل تجارةٌ رابحة على حساب المساكين.

وشرُّ البليّة ما يُضحك... لكن حين يكون الضحك على وجع شعبٍ جائع، تصبح البليّة مأساةً تستوجب المحاسبة، لا التصفيق !