آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-01:05ص

من المستفيد من ضرب إيران الآن؟ وهل تجاوزت طهران الخط الأحمر الإسرائيلي؟

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 09:05 م
د.باسم المذحجي


في ظل التنسيق الاستراتيجي المتسارع والتصعيد المتنامي بين واشنطن وتل أبيب، لم يعد التساؤل مقتصرًا على احتمالية توجيه ضربة عسكرية لإيران، بل تحول نحو تحديد هوية المستفيدين منها وحسابات توقيت «ساعة الصفر». فالضربة المرتقبة لم تعد مجرد قرار عسكري تكتيكي، وإنما تقاطع معقد لمنظومة مصالح إقليمية ودولية تُدار خلف الأبواب المغلقة.

أولاً: خارطة المستفيدين من توجيه ضربة لطهران

* إسرائيل (المستفيد الاستراتيجي الأكبر):

لا يتوقف الطموح الإسرائيلي عند حدود الردع أو التأديب، بل يتجاوزه إلى التحييد الاستراتيجي الكامل. إن استهداف البنية التحتية النووية والصاروخية، إلى جانب تفكيك شبكة الأذرع الإقليمية، يحقق لتل أبيب:

* القضاء على التهديد الوجودي: نزع الخطرين النووي والباليستي بصورة جذرية.

* إعادة تماسك الجبهة الداخلية: توحيد الصف الإسرائيلي خلف حرب خارجية كبرى لتخفيف حدة الانقسامات والأزمات السياسية الداخلية.

* ترسيخ «عقيدة بيغن» بالقوة: تثبيت المبدأ الصارم القائم على منع أي دولة في الشرق الأوسط من امتلاك السلاح النووي.

* مجمع الصناعات العسكرية والتكنولوجية (المستفيد الاقتصادي):

تشكل الحرب بيئة استثمارية مربحة لكبرى شركات الدفاع الأمريكية والغربية من خلال:

* استنزاف متسارع للذخائر: زيادة الطلب على الصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة مثل «باتريوت» و«ثاد».

* عقود تسليح ضخمة: صفقات بمليارات الدولارات لتعويض النقص وإعادة ملء المخزونات العسكرية للدول الحليفة.

* انتعاش التقنيات الحديثة: رواج هائل لسوق الطائرات المسيرة، وأنظمة الحرب الذكية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي العسكري.

* روسيا (المستفيد غير المباشر):

دون الحاجة للانخراط المباشر، تحقق موسكو مكاسب استراتيجية أبرزها:

* تشتيت الجهود الغربية: تخفيف الضغوط العسكرية والسياسية المسلطة على جبهة أوكرانيا بفعل انشغال واشنطن بساحة الشرق الأوسط.

* انتعاش عوائد الطاقة: الارتفاع الحتمي في أسعار النفط والغاز في حال حدوث أي اضطراب في مضيق هرمز، مما ينعش موازنة الكرملين.

ثانياً: دائرة المتضررين وكلفة التصعيد

* أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية: إن تعرض إيران لضربة واسعة أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز سيقود حتماً إلى قفزات قياسية في أسعار الوقود، مما يهدد استقرار الاقتصادات العالمية ويفاقم أزمات الدول المستوردة والنامية.

* دول الخليج والشرق الأوسط: تمثل الجغرافيا الإقليمية الساحة المباشرة لأي ردود انتقامية، عبر استهداف البنى التحتية أو تعطيل خطوط التجارة، وهو ما يفسر الإجراءات الاحترازية الغربية بإعادة تموضع بعض بعثاتها وطواقمها الدبلوماسية في المنطقة.

ثالثاً: محددات توقيت «ساعة الصفر»

لا يُترك تحديد توقيت الضربة للصدفة، بل تتحكم فيه ثلاثة محددات رئيسية:

* المحددات الاستخباراتية والتقنية:

* تجاوز عتبة التخصيب إلى مستويات تقترب من صنع الرأس النووي (نحو 90%).

* التقاط أهداف ثمينة (صيد استراتيجي) أو رصد ثغرات دفاعية سانحة لدى الجانب الإيراني.

* تحقيق طفرة مقلقة في برامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.

* المحددات السياسية:

* صدور ضوء أخضر أمريكي كامل يعكس استنفاد خيارات العقوبات والمسار الدبلوماسي.

* استغلال انشغال القوى الكبرى كالصين وروسيا بملفاتها الداخلية لتفادي ردود فعل دولية منسقة.

* المحددات الميدانية:

* حدوث احتكاك مباشر يوقع خسائر كبيرة ويمنح العملية مشروعية دولية.

* تعرض الملاحة البحرية لتهديد صريح في مضيق هرمز أو مضيق باب المندب، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً لحماية شريان الطاقة العالمي.

رابعاً: المناورات الدبلوماسية الإيرانية

إن العودة الإيرانية لطاولة المفاوضات لا تعبر عن تحول حقيقي نحو التهدئة، بل هي تكتيك سياسي يهدف إلى كسب الوقت وامتصاص الضغوط العسكرية الوشيكة، ومحاولة الظهور بمظهر الطرف الملتزم بالحلول السلمية، في حين تستمر الأنشطة النووية في منشآتها المحصنة.

خلاصات المواجهة: العامل الحاسم

يظل العامل الفارق الذي ينسف كافة الحسابات التكتيكية هو تجاوز طهران للعتبة النووية والإعلان عن حيازة سلاح نووي عملي. هذا التطور يتجاوز الخط الأحمر الإسرائيلي الوجودي، إذ تستحيل معه فرضيات التعايش، ويطلق شرارة سباق تسلح إقليمي يجر الولايات المتحدة وحلفاءها إلى مواجهة مباشرة لمنع انهيار منظومة حظر الانتشار الدولي.

إن قناعة المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل — بغض النظر عن هوية الحاكم — تقوم على أن كلفة شن حرب استباقية واسعة الآن لتحييد التهديد النووي الإيراني، تظل أدنى بكثير من كلفة مواجهة دولة نووية في المستقبل؛ وهي المعادلة التي تقود وتيرة التصعيد الحالية نحو حسم هذا الملف جذرياً.