آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

الحشرجة الأخيرة لجماعة الحوثي

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 06:13 م
محمد المسبحي


تقف جماعة الحوثي اليوم أمام واحدة من أكثر مراحلها حرجا، بعدما بدأت كلفة الحرب والاستنزاف العسكري وتراكم الضغوط تضرب مرتكزات مشروعها القائم على القوة وفرض الأمر الواقع. فسنوات المواجهة لم تمنح الجماعة القدرة على بناء دولة أو تحقيق استقرار، بقدر ما راكمت الأزمات ووسّعت دائرة المعاناة، ودفعتها إلى البحث المستمر عن وسائل تثبت بها أنها ما تزال قادرة على الصمود والمناورة.

وما نشهده اليوم اختبار قاسي لحدود القوة التي طالما تباهت بها الجماعة. فبعد الخسائر التي تكبدتها في عدد من الجبهات، والضربات الجوية التي استهدفت قدراتها، تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدا كيف تحافظ على صورة القوة فيما تتزايد عليها الضغوط، وكيف تقنع أنصارها بأن زمام المبادرة ما يزال بيدها، بينما تتراكم أثمان الحرب على المستويين العسكري والمعيشي..!!؟

وفي خضم هذا المشهد، تبدو الصواريخ التي تُطلقها الجماعة وكأنها محاولة لإبقاء صوتها العسكري مرتفعا، وإرسال رسالة بأنها لم تفقد قدرتها على الرد. لكن الضجيج الصاروخي، مهما كان أثره، لا يصنع نصرا بذاته، ولا يمحو الخسائر، ولا يحوّل سلطة السلاح إلى شرعية سياسية. فالقوة التي تضطر إلى استعراض قدراتها باستمرار لإثبات حضورها تظل مطالبة بالإجابة عن السؤال الأهم: ماذا حققت لليمنيين بعد كل هذه السنوات من الحرب والدمار؟!!

فاستهداف المنشآت المدنية، ومنها مطار عدن المدني ليس تفوق عسكري أو قدرة على حسم المعركة، وانما يفتح الباب أمام مزيد من المخاطر على المدنيين ويكشف حجم الكلفة التي يدفعها المجتمع جراء استمرار التصعيد. وهنا تتجلى المفارقة: قد تنجح الجماعة الحوثية الإرهابية في إطلاق صاروخ أو إرباك خصم، لكنها لا تستطيع بالصواريخ وحدها أن تحسم معركة الشرعية، أو تفرض على اليمنيين قبول مشروع سياسي لا يستند إلى إرادتهم.

ومن هنا تبرز الدلالة العميقة لمفهوم «الحشرجة الأخيرة»؛ باعتبارها التوصيف السياسي الدقيق لمرحلة الاختناق الذاتي التي يبلغ فيها المشروع المسلح مداه الأخير، حين تعجز الأدوات العسكرية عن التغطية على انكشاف الحكم، وتتحول أدوات القوة إلى عبئ يسرّع التآكل من الداخل. إن التاريخ لا يحمي المشاريع التي تراهن على منطق الغلبة والتسلط، ولا تضمن بقاءها أعداد الصواريخ وحجم الترسانات، فالنهايات المحتومة تصنعها حقيقة صلبة مفادها أن السيطرة بالقوة قد تفرض الطاعة مؤقتا، لكنها تعجز تماما عن استعادة الأمل، أو امتلاك المستقبل، أو مقاومة السقوط حين يلفظ المشهد أنفاسه الأخيرة.