آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-01:05ص

اليمن بين الإقليم والعالم: صراع النفوذ ومأزق الدولة

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 06:06 م
محمد خالد الحسيني


حين تعجز الدول عن حماية قرارها الوطني، تتحول أراضيها إلى ساحات لصراعات الآخرين، وحين تنقسم الدولة، يصبح موقعها الاستراتيجي عبئاً عليها بدلاً من أن يكون مصدر قوة لها.

هذه هي المعضلة اليمنية بامتياز: بلد يملك أحد أهم مفاتيح الملاحة الدولية، لكنه يعجز عن توظيف جغرافيته لحماية سيادته وصناعة استقراره.

فاليمن لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها حسابات إيران وإسرائيل والسعودية، وتتداخل فيها مصالح روسيا والقوى الغربية.

ومن باب المندب إلى عدن، تتجاوز المعركة حدود الأرض لتصبح صراعاً على النفوذ والردع والتحكم في شرايين التجارة العالمية.

والحكم السياسي الذي تفرضه هذه الوقائع واضح: ما لم يستعد اليمن دولته وقراره الوطني، ستظل أهميته الجيوسياسية مصدراً للصراع، لا رافعةً للسيادة والاستقرار.

أرى أن التطورات اليمنية لا يمكن فهمها بوصفها مواجهات منفصلة؛ فالاشتباكات في الساحل الغربي وتعز ولحج، والتحركات قرب باب المندب، والتهديدات التي تطال عدن ومرافقها الحيوية، تتداخل فيها حسابات السيطرة على الأرض مع أمن الحدود والملاحة وموازين الردع الإقليمي.

والأخطر أن يؤدي ضعف الدولة وتعدد مراكز القرار إلى تحويل البلاد إلى ساحة تتقرر فيها مصالح الآخرين، بينما يتحمل اليمنيون كلفة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية.

باب المندب هو مركز الثقل في هذه المعادلة، فهذا المضيق شريان للتجارة الدولية، وبوابة استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وممر حيوي لحركة السفن بين آسيا وأوروبا.

وأي تهديد للملاحة فيه يتجاوز حدود اليمن ليؤثر في تكاليف النقل والتأمين وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

لذلك، فإن السيطرة على المواقع المحيطة به أو امتلاك القدرة على تعطيل حركة السفن يمنحان الأطراف أوراق ضغط تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، ويجعلان أمن اليمن جزءاً من حسابات القوى الإقليمية والدولية.

ومن هنا، ينبغي تقييم التطورات الميدانية وفق نتائجها الفعلية، لا وفق حجم التصريحات المصاحبة لها.

فالسيطرة على موقع استراتيجي قد تغير موازين الاشتباك، لكنها لا تعني حسم الحرب، كما أن الإعلان عن أعداد كبيرة من الضربات والخسائر لا يثبت وحده حدوث تحول استراتيجي.

والتمييز بين الوقائع الموثقة والدعاية العسكرية ضرورة لفهم اتجاه الصراع، وتجنب بناء الاستنتاجات على معلومات غير مؤكدة.

وتكتسب التهديدات التي تطال مطار عدن أهمية خاصة؛ فالمطارات والمنشآت المدنية مرافق ترتبط بحركة السكان والخدمات والاقتصاد والاتصال بالعالم.

وإذا تأكدت تفاصيل تلك التهديدات، فإنها تكشف اتساع دائرة المخاطر التي تواجه المدينة.

وأعتقد أن حماية عدن ومؤسساتها ينبغي أن تكون أولوية وطنية، لأن اضطراب الاستقرار فيها لن يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل سيمتد إلى النشاط الاقتصادي والمؤسسي.

وعلى الجانب الآخر، يعكس التصعيد الحوثي ضد أهداف سعودية خطورة انتقال المواجهة إلى ما وراء الحدود اليمنية.

فاستمرار الاستهداف المتبادل يرفع احتمالات الحسابات الخاطئة، وقد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.

غير أن التحليل المسؤول يقتضي إخضاع تفاصيل الهجمات ونتائجها للتحقق المستقل، خصوصاً عندما تصدر المعلومات عن أطراف منخرطة مباشرة في الحرب.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التوتر بين إيران وإسرائيل عن أمن الخليج والبحر الأحمر.

فالتنافس بينهما يتجاوز حدود المواجهة الثنائية، وقد تنعكس تداعياته على ساحات إقليمية متعددة، بينها اليمن.

كما أن التحولات السياسية داخل إسرائيل قد تؤثر في أسلوب التعامل مع طهران، لكنها لا تعني بالضرورة تغير المصالح الأمنية الأساسية.

والخطر أن تتحول الأراضي اليمنية إلى امتداد لصراع إقليمي، من دون أن يمتلك اليمنيون القدرة على تحديد مساره أو التحكم في نتائجه.

وتضيف قمة روسيا وأفريقيا في موسكو، بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعداً دولياً آخر إلى المشهد.

فالتنافس على الشراكات الاقتصادية والأمنية وممرات التجارة يعكس سعي القوى إلى توسيع نفوذها وتنويع علاقاتها، ومصر، بحكم ارتباط أمنها بقناة السويس والبحر الأحمر، معنية باستقرار اليمن ومحيطه البحري، فيما تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها في أفريقيا والشرق الأوسط.

وهكذا تتقاطع المصالح الدولية عند ممرات استراتيجية، تصبح سلامتها مرتبطة باستقرار الدول المطلة عليها.

لكن اختزال الأزمة اليمنية في التنافس بين إيران وخصومها يظل خطأً استراتيجياً؛ لأنه يتجاهل جذورها الداخلية، والانقسام السياسي، وضعف المؤسسات، وغياب التسوية الجامعة.

فلا التحالفات العسكرية وحدها تصنع السلام، ولا الضربات الجوية تعالج أسباب النزاع، ولا إضعاف طرف مسلح يضمن قيام دولة مستقرة.

إن أي مقاربة جادة يجب أن تجمع بين معالجة التهديدات الأمنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق مسار سياسي يضمن مشاركة اليمنيين في تقرير مستقبلهم.

الخلاصة أن اليمن يقف أمام خيار استراتيجي حاسم: استعادة الدولة والقرار الوطني، أو البقاء ساحةً تتصارع فوقها القوى بينما يتآكل مستقبله من الداخل.

فأمن السعودية يرتبط باستقرار اليمن، وحماية باب المندب لا تتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وسلامة الملاحة لا تُضمن في ظل دولة ممزقة.

وقد تتغير التحالفات وتتبدل موازين النفوذ، لكن المكاسب الميدانية ستظل مؤقتة ما لم تقُد إلى تسوية مستدامة.

فالسلام ليس تنازلاً عن المصالح، بل ضرورة لحمايتها، واستقرار اليمن ليس شأناً محلياً فحسب، بل شرطاً أساسياً لأمن المنطقة بأسرها.