ما انفك السلام يمثل الشرط اللازم الذي تحقق به الأمم إنسانيتها ومدنيتها وتنميتها وازدهارها، وتتحرر به من أغلال القوة والغلبة والعنف لتفسح المجال لقوة العقل والحوار والتعايش وللعمران والحياة برمتها وهذا ما نعتقد به وتسعى له.
كما نعتقد بأن السلام لا يتحقق بالأمنيات و التنازلات الساذجة وغير محسوبة العواقب ولا بالوعود الزائفة التي لا ضوابط ولاضمانات حاسمة لها -ولو أصبحت حبراً على ورق وتم التوقيع عليها- بل بمنطق واقعي يقرأ موازين القوة الحالية ويفهم الممكن والمتاح والمتعذر والمعجل والمؤجل، ويواجه حقائق الواقع كما هي لا كما يشتهيها البعض أو كما تمليها مصالح أو أفهام الوسطاء أو المتعاطين كتابةً أو كلاماً مع الشأن اليمني.
ومنذ انقلاب ٢٠١٤م المشؤوم، بل ومنذ ما قبلها بكثير وجوهر الإشكالية يكمن في تمسك بعض الناشطين والكُتّاب والنخب وصناع القرار والموظفين الإقليميين والدوليين بفرضية أن سياسة الاحتواء والتعامل السياسي مع الجماعة الحوثية كفيل بتحويلها من جماعة تهدد الأمن والسلم المحليين والإقليميين والدوليين وتقتل شعبها وتنكل بقوى الدولة المدنية وتختطف الموارد والسلاح والقرار وتمضي في مراكمة التهديدات؛ إلى شريكٍ مطاوع في السلام يضع السلاح أو يحيده ويحتكم للمؤسسات والقانون والحوار الرشيد ويتفاهم مع بقية المكونات الوطنية من أجل بناء دولة لكل أبناء الشعب ومكوناته، ولكن الواقع والسلوك الحوثي والأحداث والجرائم المركّبة والمتصاعدة كمّاً وكيفاً والتي يرتكبها كانت - جميعاً- تقول كلمتها الجلية المُزلزلة بشأن هذه الجماعة، وفي كل مرة تؤكد صحة موقف القوى الوطنية المنضوية في إطار معسكر الشرعية، موقف المواجهة الصارم على قاعدة الدستور والقانون والمرجعيات الثلاث واحتكار الدولة لأدوات الإكراه سبيلا وحيداً لانتزاع السلام وحفظ الحياة السياسية والعيش المشترك والمستقبل.
المفارقة أننا كنا دوما نُجلد بسياط تهمة التصلب والتعنت و(عدم الواقعية) من قبل هذه النُخب الواهمة أو المستفيدة؛ نُجلد ونحن دعاة السلام الأوائل وأهل الواقع منذ البداية؛ نُجلد ويتم ابتزاز وفودنا المفاوضة ونحن من أول من أدرك واقع هذه الجماعة وتفكيرها؛ وأول من حلل وقرأ وثائقها وتعرف على حقيقة بنيتها وعقائدها العنصرية المتزمتة المخلوطة مع سلوكها البراجماتي المذهل واللا أخلاقي، وعلى عنفها المنهجي وسياقاتها التكتيكية والاستراتيجية، وكنا أول من اكتوى بنارها، ونحن الذين مازال رفاقنا وأهلونا وأبناء شعبنا عموماً يملؤون سجونها بالآلاف من المختطفين المدنيين والمخفيين قسرياً من الذين ليس لهم أي علاقة بالحرب، فيما غيرهم يملؤون المقابر بمئات الآلاف، بالإضافة لمئات الآلاف من المصابين والمعاقين ومبتوري الأطراف أو فاقدي البصر والسمع، وكذا مخيمات ومناطق النزوح الذين يقدرون بما يناهز 5 ملايين ونصف نازح، ناهيك عن المهاجرين وطالبي اللجوء في البلدان الأخرى وهم بمئات الآلاف، وذلك حسب احصائيات برنامج الأمم المتحدة الانمائي (UNDP) ومكتب المبعوث الأممي وغيرها.
إن (الواقعية) السياسية والوعي الواقعي يا هؤلاء ليست (الوقوع) في شرك السلام الزائف المؤقت الذي يستخدمه الحوثي للاستعداد لخوض حروب أكثر دموية ضدنا والذي يقتات ويعتاش عليه بعض الناشطين والكتاب والموظفين و(ينخدع به بعضهم) حتى لا نعمم.
إذن فنحن دعاة السلام الحقيقيين؛ الواقعيين.. السلام المستدام العزيز الذي يؤسس لوطن يتسع للجميع، وليس للاستسلام لهيمنة هذه الجماعة (المصنفة إرهابية محليا ودوليا) باعتبارها أمراً واقعاً، ولا باعتبار الصورة الرشيدة التي تتوهمون أن الحوثية ستتحول إليها إذا قدمنا لها التنازلات.
الواقعية هي أن يتوقف الجميع عن مُداراة هذه الجماعة والاستسلام والتنازل لها والتراجع أمام توسعها وأطماعها المفتوحة والمعلنة دون مواربة بإسم السلام.
الواقعية هي أن نتحلى جميعا بالأمانة والانصاف في القول والسلوك والمواقف؛ وبالصبر؛ وأن نصمم على الكفاح الواقعي الواعي لطبيعتها ومرتكزاتها النفسية والعقدية وبنيتها التنظيمية وأهدافها وأطماعها العابرة للحدود ودورها الوظيفي المعادي للأمة برمتها.
إن الواقعية هي قراءتنا المبكرة التي ميزت بين تسويةٍ أردناها -ذات يوم وتحت سقف مؤتمر الحوار الوطني الشامل- أن تُحِل السلام المستدام وتؤسس للدولة المدنية الحديثة المسؤولة الرشيدة الضامنة، وبين تسويةٍ من نوع آخر يحاول الحوثي فرضها بالحديد والنار والدم والتغلغل وغسل الأدمغة لتكون أمراً واقعاً؛ والذي تروجون لها أنتم (بوعي أو بدون وعي) لتشرعن لاستمرار العنف والسطوة والبطش والتهديد وتمنح هذا المشروع مزيداً من الوقت والنفوذ والقدرة على قتل أبناء شعبنا ونهبهم وعلى إلحاق الضرر بالجميع.
الواقعية هي حتمية صمودنا وتقدمنا حتى النصر مهما بدا الحوثي متوافراً على السلاح والعتاد والموارد والصواريخ والدعم الإعلامي لنجبر الحوثي على السلام.
السلام الواقعي هو (السلام المستدام) الذي لا يتأتي إلا بنزع سلاح الحوثي وحمله على الانصياع لإرادة الشعب والدستور وتخليه عن نظرية الاصطفاء والحق الإلهي في الحكم والتحول للممارسة المدنية وتجريم كل دعوى أو شبهة عنصرية.
الواقعية أن نفهم الواقع لنستعد ولنواجهه ونغيره، لا لنستسلم، وذلك بأن القوى لا يبقى قوياً إلى مالا نهاية، والضعيف لن يكون ضعيفا إذا ما امتلك الإرادة والعزيمة والصبر والحكمة والحرية في ذاته، وهذه سنّة عالم السياسة عبر التاريخ التي لا تبديل لها.
#انتهى