آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

العواصم الثلاث تضع طهران أمام الحقيقة العارية

الثلاثاء - 27 أكتوبر 2026 - الساعة 10:10 م
محمد المسبحي


تكتسب التحركات الدبلوماسية والعسكرية وزنها الحقيقي من طبيعة الظرف الاستراتيجي الذي تتشكل في ظله، وهو ما يجعل المشهد الإقليمي الراهن يقف على مسافة فاصلة بين استمرار إدارة الأزمات بالوسائل التقليدية أو الانتقال المباشر نحو مواجهة مفتوحة لا تملك أي جهة خطة واضحة لإغلاق ملفاتها. إن تقاطع الحضور السياسي والعسكري والاستخباراتي لممثلي الرياض وأنقرة وإسلام آباد في اتجاه طهران لا يعبر عن مجرد تنسيق موقفي بين عواصم تختلف حساباتها التفصيلية، بقدر ما يعكس شعورًا عميقا ومشتركا بأن كلفة الصمت أو الاكتفاء بالمراقبة أصبحت تتجاوز بكثير مخاطر التنسيق المباشر لفرض واقع مختلف.


يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة حرجة تتراجع فيها جدوى أدوات الردع المتبادل التي سادت خلال العقود الماضية، إذ تحولت تلك الأدوات من وسيلة لضبط إيقاع التنافس الإقليمي إلى محرك رئيسي للانفجار الشامل. ولم يعد التهديد المحيط بخطوط الملاحة وشرايين الطاقة مجرد ورقة ضغط تُستخدم في جولات التفاوض الخلفية، وانما أضحى مساسا مباشرا بالمصالح الحيوية لدول المنطقة نفسها، قبل القوى الدولية البعيدة. ومن هنا تنبع أهمية هذا التحرك الثلاثي الذي يجمع بين الثقل السياسي الخليجي والقدرة الاستخباراتية التركية والوزن العسكري الباكستاني، حيث تتجاوز الرسالة حدود التحذير التقليدي لتضع القيادة الإيرانية أمام خيارات معقدة تتصل بمدى قدرتها على التوفيق بين استحقاقات نفوذها الخارجي ومتطلبات الاستقرار الإقليمي الأدنى.


تستند المعادلة التي تواجهها طهران اليوم إلى حقيقة استراتيجية مفادها أن الاستمرار في نهج إدارة الصراع عبر الساحات المتعددة لم يعد يمنح صاحبه أفضلية تكتيكية، بل بات يهدد بتحويل المكاسب الميدانية المرحلية إلى خسائر سياسية واقتصادية شاملة. إن كلفة الذهاب بالمغامرة الإقليمية إلى مداها الأخير تضع الجميع أمام معادلة صفرية لا تقتصر فيها الخسارة على طرف واحد، إذ إن تداعي الأمن الإقليمي وانهيار التوازنات القائمة سيفجران من الفراغات الأمنية والاضطرابات الممتدة ما يستعصي على أي قوة إقليمية السيطرة عليه أو احتواؤه.


يتعامل الجوار الإقليمي مع إيران بحذر شديد، بعيدا عن أوهام التغيير القسري أو الرهان على سيناريوهات الانهيار المفاجئ، لكون تلك السيناريوهات تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق إلى فوضى عارمة تمتد آثارها المباشرة إلى أسواق التجارة العالمية وأمن الحدود الإقليمية. وبناءً على هذا الإدراك، لا يسعى التحرك الراهن إلى فتح مواجهة جديدة بقدر ما يحاول رسم ممر سياسي يتيح للقيادة الإيرانية إجراء مراجعة استراتيجية لسلوكها الإقليمي دون التضحية بالحد الأدنى من مصالحها الوطنية، شريطة أن تقترن تلك المراجعة بخطوات ملموسة تحترم سيادة الدول وتنهي توظيف الأطراف من غير الدول في الصراعات العابرة للحدود.


يبقى الاختبار الفعلي مرهونا بما يسفر عنه هذا اللقاء من خطوات عملية تبدأ بتخفيف حدة التوتر في الميدان وتصل إلى بناء تفاهمات ملموسة. فإذا اقتصرت المحادثات على نقل الرسائل والتحذيرات دون تغيير حقيقي في السلوك السياسي والعسكري، فإن هذه الفرصة الدبلوماسية ستتحول إلى مجرد محطة عابرة تسبق جولة أكثر شراسة من الصراع. إن القوة في السياسة تكمن في امتلاك الحكمة والتراجع المحسوب لإطفائها، وهو التحدي الجسيم الذي يواجه طهران والعواصم الساعية إلى منع الكارثة قبل أن تفقد الأطراف كافة قدرتها على التحكم في مسار الأحداث.


وفي النهاية، تُعلّمنا السياسة أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في خوض الحرائق، بل في امتلاك الحكمة لتجنبها؛ فالعقلاء هم من يدركون أن تجنيب المنطقة أهوال المواجهة هو أسمى أشكال الانتصار.