لم تكن تعز يوماً مجرد مدينة مرسومة على خارطة الجغرافيا اليمنية، بل هي الفكرة الشعلة، والقلب النابض لليمن الجمهوري، والرافعة التاريخية التي تُصاغ في ميادينها معالم التحولات الكبرى. واليوم، وهي تواجه الحصار الجائر وتجابه أعتى المؤامرات، تثبت تعز للعالم أجمع أنها ليست مجرد جبهة قتال وصمود عسكري، بل هي المعركة السياسية الأم؛ المعركة الوجودية التي يخوضها اليمن بأكمله من أجل تثبيت دعائم الجمهورية، وصون التعددية، وحماية حق الناس المقدس في الاختلاف والتنوع.
إن الدور السياسي لتعز ليس وليد الصدفة، بل هو قدرها التاريخي باعتبارها عاصمة الوعي وحاضنة الحركة الوطنية ومفرخة القيادات. وفي الوقت الذي تحاول فيه المشاريع الشمولية تجريف الهوية اليمنية وإحلال "الصوت الواحد" بقوة السلاح، تقف تعز شامخة كحائط صد سياسي منيع؛ إنها المدينة التي ترفض ثقافة القطيع، وتأبى التدجين، وتصر على أن يظل فضاؤها متسعاً لكل التيارات الفكرية والسياسية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، في لوحة ديمقراطية فريدة تعجز قوى الاستبداد عن استيعابها أو كسرها.
من هنا، من وسط الركام ومن تحت وطأة الحصار الممتد، تُلقن تعز الجميع درساً في الإرادة السياسية؛ فالجمهورية في عُرف تعز ليست شعاراً يُرفع في الأعياد، بل هي ممارسة حية وتعددية حقيقية تتجسد في حيوية أحزابها، ونشاط مجتمعها المدني، وبسالة شبابها ونسائها في الميادين. إن محاولات خنق هذه المدينة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً لم تكن إلا محاولة بائسة لدفن مشروعها السياسي التنويري، لأن الطغاة يدركون جيداً أن صمود تعز السياسي هو الضمانة الوحيدة لاستعادة الدولة المختطفة وبناء اليمن الجديد القائم على العدالة والشراكة.
إننا نعلنها بوضوح: إن معركة تعز هي معركة الهوية السياسية لليمن القادم؛ يمن لا مكان فيه للمشاريع السلالية، أو الطائفية، أو الشمولية، بل يمن يتسع لجميع أبنائه على قاعدة المواطنة المتساوية وحرية الرأي. إن التعددية التي تحميها تعز بوعيها ودماء أبنائها اليوم هي الترياق الوحيد لسموم التفتيت والمناطقية التي تنهش جسد الوطن.
إن خيار تعز كان وسيبقى خيار الدولة والجمهورية والتعددية، ولن تنحني هذه القلعة الوطنية أمام عواصف الارتداد إلى الماضي المظلم؛ ستظل تعز رافعة التغيير، وصوت الأحرار، والبوصلة التي لن تخطئ طريق الحرية والكرامة أبداً!