قادتني الخطى ومعها عجلات سيارتي بالأمس إلى الاستاد الأولمبي بمدينة سيئون، الرابض في ضواحيها الجنوبية الممتدة صوب وادي جثمة، حيث احتضن الملعب مواجهة كروية جمعت قدامى نجوم أندية الوادي والساحل. كنت مدفوعاً بشوق جارف لرؤية قامات كروية طالما أمتعت الجماهير في حقب زمنية مختلفة بسحر أدائها ونبل أخلاقها.
وما إن بلغت حافة المستطيل الأخضر وأدرت بصري يمنة ويسرة، حتى رأيت هامات وسواحق في عالم المستديرة، أقدامٌ أرهقها تعاقب السنين عن خوض غمار المباريات، فجلس أصحابها في مقاعد المتابعين لنجوم آخرين، يستحضرون معاً ومضات من زمن الكرة الجميل. صافحتهم فرداً فرداً، ولم أتبين في البدء ملامح فنان "وادي عمر" وأسطورة الكرة الحضرمية في عصرها الذهبي، الكابتن صالح الصنح، إلا حين دلني عليه الكابتن الكبير عبدالله باعامر؛ فقد تركت السنون على ملامحه أثرها، وللحديث عن هذا النجم مساحة قادمة.
ثم قادتني الصدفة الجميلة للجلوس إلى جوار قامة كروية استثنائية، صالت وجالت في الملاعب المحلية والعربية والآسيوية؛ إنه نجم شمسان والمنتخبات الوطنية الأسبق جميل سيف، الشهير بـ "التمباكو". علمت مسبقاً بوصوله من العاصمة عدن رفقة زميله الكابتن ناصر عقربي للمشاركة كضيوف شرف في هذا اللقاء، ولحضور نهائي كأس الهبة الحضرمية. كانت سانحة ثمينة لتقليب صفحات الذاكرة، وقبل أن نخوض في التفاصيل، أبلغته سلاماً خاصاً من والدي – أطال الله في عمره – الذي جايل بدايات الكرة مع نادي الجزيرة (شمسان حالياً) في عهد رفيق، وعبدالجبار عوض، ومعتوق خوباني، قبل عودته إلى حضرموت ليختتم مشواره مع نادي سلام الغرفة مطلع السبعينيات. رد جميل بوفاء جيله: "تلك كرة الزمان الجميل.. أبلغ الوالد وافر التحايا والمحبة، فمن ذلك الجيل رضعنا أبجديات اللعبة".
استفزني الفضول الصحفي لأنبش في خبايا مسيرة نجم هز الشباك السعودية ذات يوم بهدف جمع بين الدهاء والمهارة العالية، في لقاء تاريخي جمع منتخبي اليمن الديمقراطية والسعودية بالدورة العربية السادسة في سوريا عام 1976. وقبلها، كان هو من حبس أنفاس وأبكى نحو 40 ألف متفرج في مدرجات استاد العباسيين بدمشق، حين أمطر منتخبنا شباك أصحاب الأرض بهدفين في افتتاح البطولة، حيث وقع جميل سيف على هدف قاتل بدد آمال "نسور قاسيون"، في ملحمة كروية وصفها لي أستاذي الكاتب السوري الراحل محمد خير الكيلاني بأنها حُفرت في ذاكرة كل من شهدها.
ولعل من الأرقام اللافتة التي استعدناها في هذا الحديث أن الكابتن جميل سيف حل وصيفاً لهدافي تلك الدورة العربية برصيد أربعة أهداف، خلف أسطورة الكرة المغربية وأفضل لاعب أفريقي حينها، أحمد فرس، صاحب الأهداف الستة. وإلى جانب ذلك، صُنف "التمباكو" بين نخبة لاعبي القارة الصفراء، وجرى اختياره رفقة عوضين، وحسين جلاب، ونور الدين عبدالغني، لتمثيل منتخب شباب آسيا عام 1975 في أعقاب تألقهم اللافت ببطولة آسيا للشباب في الكويت.
استرسلنا في الذكريات ومر الوقت سريعاً، وما تزال في جعبة هذا النجم فصول وفيرة لم تُروَ بعد؛ نجم رددت اسمه الحناجر طويلاً، وخصه عشاق "الفانلة البرتقالية" بمكانة استثنائية في قلعة "الجبل". ذلك النادي العريق الذي أنجب أجيالاً أثرت الملاعب، بدءاً بجامع دباله، وبوشكاش اليمن معتوق خوباني، وعبدالجبار عوض، وأحمد محسن، وصولاً إلى جميل سيف، وعادل إسماعيل، وعبدالرزاق إبراهيم، وناصر عقربي، والشندق، وعادل سعيد، والقلعة، ووهبي فؤاد، وإيهاب حيدر، ومحمد حسن بعداني، ومنيف عبدالرحمن، والخليدي، والنينو، وعبدالرب حسين، وعيال المقطري والشهري، وسلسلة طويلة من النجوم الذين تعاقبوا على هذا الكيان.
ولعل لمدينة المعلا، معقل النادي، التي استقرت بها أسرتنا خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي وشهدت إقامتي فيها مطلع الثمانينيات، منزلة خاصة تسكن الوجدان؛ ولا أجد ختاماً أصدق من شجو الراحل أبو بكر سالم بلفقيه حين غرد:
> شَمْسان يا أعز راسي يا أحلى مكان
> أفديك وأفدي الذي في سفوحك سكن
>
(أعيد نشر هذا المقال للتذكير برمز كروي كبير وصفته يوماً بالثروة الوطنية التي تستحق الوفاء والاهتمام، سائلاً المولى أن يمتعه بالصحة والعافية. كما أرجو منكم قراءة الفاتحة والدعاء لوالدي الحبيب الذي ورد ذكره هنا، وتغمده الله بواسع رحمته وغفرانه).
مستشار وزارة الشباب والرياضة
كاتب وناقد رياضي