آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:34م

حين تتراجع الأخلاق، ماذا يبقى من العظمة؟

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 07:10 م
احمد الدثني


ليست كل كلمة تصدر عن رئيس دولة كبرى مجرد زلة لسان؛ فبعض الكلمات تكشف نظرة صاحبها إلى العالم، وتفضح المسافة بين قوة المنصب وأخلاق من يشغله.

حين يصف دونالد ترمب اليمن وليبيا والصومال وهايتي بأوصاف مهينة، فإنه لا ينتقد حكومات هذه البلدان بقدر ما يضع شعوبا بأكملها في موضع الانتقاص. وهنا تكمن المشكلة: أن تتحول معاناة ملايين البشر إلى مادة للاستهلاك الانتخابي، وأن يصبح الفقر تهمة، والانهيار وصمة، والانتماء إلى بلد مأزوم سببا للازدراء.

قد تكون الولايات المتحدة أقوى دول العالم اقتصاديا وعسكريا، لكن القوة لا تمنح أصحابها تفوقا أخلاقيا تلقائيا. فالعظمة ليست ما تملكه الدول من سلاح وثروة ونفوذ فحسب، بل ما تجسده من قيم، وما يبديه قادتها من احترام لكرامة الإنسان، حتى حين يكون من بلد ضعيف أو فقير.

وقد يصفق الحشد لرئيسه بدافع الحماسة أو الولاء السياسي، لكن التصفيق لا يحول الإساءة إلى فضيلة، ولا يعني أن كل من صفق يتبنى بالضرورة ما سمعه. كما لا يجوز أن نحاكم الشعب الأمريكي بأقوال رئيسه؛ فالشعوب ليست كتلة واحدة، ولا يجوز تحميل الملايين مسؤولية خطاب لم يصدر عنهم.

يا سيادة الرئيس، اليمن ليس بقعة طارئة على خريطة العالم، ولا شعبا بلا تاريخ. فمن سبأ ومأرب إلى ممالك معين وقتبان وحضرموت، ترك اليمنيون بصماتهم في تاريخ الحضارة والتجارة والعمارة، وكانت أرضهم جزءا من عالم يصنع تاريخه قبل أن تظهر الولايات المتحدة بصورتها الحديثة.

لكننا لا نستحضر هذا التاريخ لنتباهى بالماضي، ولا لنجعل أعمار الحضارات ميدانا للمفاخرة. فالأمجاد القديمة لا تعفينا من مواجهة واقعنا، ولا تطعم جائعا، ولا تعيد راتبا منقطعا، ولا توفر دواء لمريض أو مقعدا دراسيا لطفل. ومن يجعل تاريخ الأجداد بديلا عن حقوق الأحياء، يسيء إلى الحاضر باسم الماضي.

وقد يقول يمني محق: ماذا ينفعنا تاريخ سبأ ومأرب ونحن نعجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة؟ إنه سؤال لا يجوز الهروب منه بالشعارات. فكرامة اليمني لا تصان بمجرد التذكير بأمجاد أجداده، بل ببناء دولة تحميه، وتوفر له فرص العمل والتعليم والعلاج، وتمنحه حقه في حياة كريمة.

غير أن الاعتراف بمرارة الواقع شيء، وقبول الإهانة بسببه شيء آخر. فالفقر ليس هوية، والحرب ليست طبيعة شعب، وانهيار الدولة لا يعني انهيار الإنسان. والمسؤولية عن هذا الخراب تقع على عاتق قوى وقيادات يمنية أخفقت وأشعلت الصراعات وأهدرت الفرص، ولا يجوز تحميل شعب بأكمله وزر ما لم يختره كثير من أبنائه.

واليمنيون ليسوا أسرى ماضيهم ولا ضحايا واقعهم إلى الأبد. ففي الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، يعمل يمنيون في مجالات العلم والطب والهندسة والأعمال، ويسهمون بكفاءاتهم وجهودهم في مجتمعاتهم الجديدة. ولا يعني ذلك أن كل يمني مهاجر عالم أو رجل أعمال، لكنه يؤكد حقيقة بسيطة: أن القدرة على العطاء لا تحددها جنسية الإنسان، ولا تختفي لأن وطنه يعاني.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: عقول يمنية تجد خارج وطنها فرصا للنمو والإنتاج، فيما تعجز بلادها عن توفير كثير من الشروط التي تسمح لهذه العقول بأن تبدع في أرضها. ليست المشكلة أن اليمنيين فقدوا القدرة على النهوض، بل أن واقعا مثقلا بالصراعات وسوء الإدارة يهدر الطاقات ويدفع بالكفاءات إلى الرحيل.

ولسنا بصدد تبرئة أنفسنا من مسؤولية ما وصلنا إليه، أو إلقاء اللوم كله على الخارج. فقد ارتكبت قوى يمنية أخطاء جسيمة وأهدرت ثروات وفرصا كان يمكن أن تغير حياة الملايين. لكن الإنصاف يقتضي أيضا الاعتراف بأن التدخلات الخارجية وتضارب المصالح الدولية أسهما في تعقيد أزمات دول هشة وإطالة أمد بعضها. ولا ينبغي أن يتحول فشل الدول، مهما تعددت أسبابه، إلى مبرر لاحتقار شعوبها.

إن من يتولى رئاسة أقوى دولة في العالم يملك حق انتقاد الحكومات والسياسات، والدفاع عن مصالح بلاده، لكنه لا يملك حق الخلط بين الحكومات والشعوب، ولا تحويل الفقر إلى عار، ولا اتخاذ كرامة الأمم وقودا للمنافسة الانتخابية.

فماذا تحقق الإهانة؟ هل تنهي حربا، أو تطعم جائعا، أو تعيد نازحا إلى بيته؟ إن الشعوب لا تحتاج إلى الشفقة بقدر ما تحتاج إلى الإنصاف والفرص. وكرامتها ليست امتيازا يمنحه الأقوياء أو يسلبونه، بل قيمة إنسانية لا ينبغي أن تتوقف على ثروة البلد أو مكانته السياسية.

وليس مطلوبا من ترمب أن يمتدح اليمن، ولا أن يتغاضى عن إخفاق حكوماته وقواه. المطلوب فقط أن يميز بين نقد المسؤولين وازدراء الشعوب، وأن يدرك أن قوة الدولة لا تمنح رئيسها حصانة أخلاقية، وأن احترام الإنسان لا ينبغي أن يكون مشروطا بثراء وطنه أو استقراره.

أما اليمن، فلن يستعيد مكانته بمجرد استدعاء تاريخه، بل ببناء مستقبله: دولة تحمي الإنسان، وتعلي قيمة التعليم والعمل، وتوقف نزيف الكفاءات، وتعيد للمواطن ثقته بوطنه. فالتاريخ يمنحنا جذورا، لكنه لا يصنع المستقبل نيابة عنا.

إن انتقاد ترمب لا يستلزم الإساءة إلى الأمريكيين، مثلما أن احترام الشعب الأمريكي لا يفرض الصمت أمام خطاب ينتقص من كرامة اليمنيين وغيرهم. فالمعيار الذي نطالب به للآخرين يجب أن نلتزم به نحن أيضا: لا تعميم في الإدانة، ولا مفاضلة في الكرامة الإنسانية، ولا إعفاء للقوي من المساءلة الأخلاقية.

قد تتغير الإدارات، وتنتهي الحملات الانتخابية، وتخفت أضواء المنصات، لكن الكلمات تكشف أصحابها، وتبقى الشعوب أكبر من أوصاف عابرة. وسيظل اليمن أكبر من أزمته، وأعرق من جراحه، لكن استعادة مكانته لن تتحقق بالماضي وحده، وإنما بإرادة أبنائه في بناء دولة تليق بهم.

فالقوة قد تفرض النفوذ، لكنها لا تضمن الاحترام؛ والثروة قد تصنع الثراء، لكنها لا تصنع العظمة. وحين تتراجع الأخلاق، يبقى السؤال: ماذا يبقى من العظمة؟