آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:39ص

السعودية وتركيا وباكستان في طهران: دبلوماسية الضرورة .. واليمن هو الاختبار

الإثنين - 26 أكتوبر 2026 - الساعة 07:05 م
محمد خالد الحسيني


حين تجتمع الحسابات العسكرية على الأرض مع التحركات الأمنية في طهران، يصبح السؤال أكبر من مجرد احتواء تصعيد عابر: هل تبحث المنطقة عن مخرج من الحرب، أم عن طريقة أكثر حذرا لإدارتها؟

فالمشكلة ليست في افتقار المنطقة إلى الاجتماعات والوساطات، بل في أن الحروب تتقدم فيما تتراجع فرص إنهائها، وأن التفاهمات الأمنية كثيرا ما تنجح في احتواء الخطر من دون أن تمس جذوره.

ولا يحتاج المشهد اليمني إلى كثير من الشرح لإدراك حجم المأزق الذي يعيشه؛ صواريخ حوثية تتجه نحو السعودية، وضربات جوية تستهدف مواقع ومنشآت عسكرية للحوثيين، ومعارك متجددة على جبهات يمنية متعددة، فيما تظل التسوية السياسية بعيدة عن متناول اليمنيين.

إنها حرب تتغير أدواتها وتتعدد ساحاتها، لكن نتيجتها الأكثر وضوحا هي استمرار الاستنزاف، وتعاظم المخاطر، وتآكل فرص السلام.

وأرى أن الخطأ الأكبر هو قراءة هذه التطورات باعتبارها أحداثا عسكرية منفصلة؛ فالصاروخ الذي يعبر الحدود، والغارة التي تستهدف منصة إطلاق، والمعركة التي تتجدد في تعز أو لحج، ليست مجرد وقائع ميدانية متفرقة، بل حلقات في أزمة تتداخل فيها الحسابات اليمنية مع صراعات الإقليم ومخاوف القوى الدولية.

وما لم تقرأ هذه الحلقات ضمن سياقها السياسي والأمني الأوسع، فستظل التحليلات أسيرة تفاصيل المعارك، عاجزة عن تفسير استمرارها وعجز القوة عن إنهائها.

في هذا السياق، تكتسب اجتماعات طهران التي تجمع مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان بمسؤولين إيرانيين أهمية تتجاوز الشكل البروتوكولي.

فمشاركة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، وفق المعلومات المنشورة عن الاجتماع، تضع اللقاء في مستوى أمني وسياسي رفيع، يتناسب مع حساسية المرحلة وتعدد التهديدات التي تواجه المنطقة.

وأعتقد أن هذا التحرك ليس ترفا دبلوماسيا، كما أن توقيته ليس تفصيلا هامشيا، فعندما تتصاعد الهجمات الصاروخية، وتتزايد المخاوف على أمن المنشآت الحيوية وخطوط إمداد الطاقة، وتتحرك دول إقليمية لبناء ترتيبات دفاعية مشتركة، يصبح التواصل مع طهران ضرورة سياسية وأمنية، لا مجاملة دبلوماسية.

فالدول لا تتحرك في مثل هذه الظروف بدافع المجاملات وحدها، بل لأن كلفة انقطاع الحوار قد تكون أعلى من كلفة التفاوض مع الخصوم، ولأن ترك التصعيد بلا قنوات اتصال يفتح الباب أمام مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.

لكن الجرأة في قراءة المشهد تقتضي التمييز بين أهمية الاجتماع والنتائج التي يمكن أن يحققها.

فاللقاء رفيع المستوى ليس اتفاقا، وفتح قنوات الاتصال ليس تسوية، والإعلان عن الرغبة في خفض التصعيد لا يعني أن أسبابه قد زالت.

والقيمة الحقيقية لأي تحرك دبلوماسي تقاس بما ينتجه على الأرض: هل تتراجع الهجمات؟ هل تحترم سيادة الدول؟ هل تتوقف التهديدات التي تطال المنشآت الحيوية؟

وهل يتحول الحوار إلى التزامات واضحة قابلة للقياس والتنفيذ، أم يبقى مجرد رسائل سياسية لا تغير سلوك الأطراف؟

إن اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تعكس اتجاها نحو تعزيز الردع والتنسيق الأمني.

غير أن الردع، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن الدبلوماسية، كما أن الدبلوماسية لا تكون فعالة إذا افتقرت إلى ضمانات تحمي المصالح والأمن.

والمطلوب ليس الاختيار بين القوة والحوار، بل منع القوة من التحول إلى حرب مفتوحة، ومنح الحوار فرصة لإنتاج ترتيبات مستقرة، بدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات من جولة إلى أخرى.

وهنا تحديدا ينبغي أن يتجه السؤال إلى اليمن؛ فنجاح التحركات الإقليمية لا يقاس بعدد الاجتماعات، ولا بمستوى الوفود، ولا ببلاغة البيانات الختامية، بل بقدرتها على تغيير الوقائع التي جعلت اليمن ساحة مفتوحة للتصعيد.

وأرى أن اليمن هو الاختبار الحقيقي لأي تفاهم سعودي إيراني، وأي جهد إقليمي لخفض التوتر.

فإذا أمكن احتواء الهجمات التي تهدد السعودية، بينما ظلت الجبهات اليمنية مشتعلة، واستمر استنزاف الدولة والمجتمع، وبقيت أسباب الصراع من دون معالجة، فإن ذلك لن يكون سلاما بقدر ما سيكون إعادة ترتيب مؤقتة لأولويات المواجهة.

وإذا نجحت الاتصالات في تخفيف التوتر الإقليمي، لكنها لم تترجم إلى مسار يمني جاد يوقف الحرب ويعالج الانقسام السياسي والعسكري، فستظل التسوية ناقصة، وسيبقى خطر تجدد التصعيد قائما.

ذلك أن استقرار الحدود لا يكفي وحده لبناء سلام مستدام، كما أن تحييد الصواريخ لا يعادل استعادة الدولة، ووقف الغارات لا يعني بالضرورة إنهاء الحرب.

إن المطلوب هو نقل اليمن من موقع الورقة المستخدمة في الحسابات الإقليمية إلى موقع القضية التي تستحق حلا مستقلا وشاملا. وهذا يستدعي وقفا لإطلاق النار قابلا للتحقق، ومسارا سياسيا يعالج جذور النزاع، وضمانات تمنع استخدام الأراضي اليمنية لتهديد دول الجوار، والتزامات واضحة تحمي المدنيين وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة.

وأعتقد أن الاختبار الأصعب أمام الأطراف الإقليمية ليس قدرتها على التوصل إلى تفاهمات أمنية، بل قدرتها على تحويل تلك التفاهمات إلى واقع يلمسه اليمنيون.

فهل تصبح طهران محطة لفتح الطريق أمام تسوية يمنية، أم يقتصر الحوار على احتواء الأخطار التي تتجاوز الحدود، فيما تبقى أسباب الحرب داخل اليمن بلا معالجة؟

لا تمنح الوقائع العسكرية وحدها أساسا كافيا للحديث عن انفراجة قريبة، لكن تزامن التصعيد مع التحرك الدبلوماسي يفرض فرصة ينبغي اختبارها، من دون المبالغة في نتائجها أو التقليل من أهميتها.

فالمعيار ليس ما تعلنه الأطراف من نيات، بل ما تلتزم به وما تنفذه، وما إذا كانت هذه التحركات ستغير واقع الصراع أم ستكتفي بتخفيف ضغوطه مؤقتا.

في النهاية، دبلوماسية الضرورة لا تقاس بما تقوله الأطراف حول الطاولة، بل بما تمنعه من حروب، وما تنهيه من صراعات، وما تنتجه من ضمانات.

واليمن هو الاختبار الحقيقي؛ ففيه ستنكشف قيمة هذه التحركات: إما أن تفتح نافذة نحو سلام يعيد للدولة حضورها ولليمنيين حقهم في الأمن والاستقرار، وإما أن تبقى مجرد آلية لاحتواء التصعيد، فيما تستمر الحرب بأسماء وأدوات مختلفة، وتظل نهايتها مؤجلة.