لم تعد جماعة الحوثيون مجرد حركة تمرد محلي في أقصى شمال اليمن، بل غدت في المشهد الراهن إحدى القوى الإقليمية والمحلية المؤثرة التي يمتد إرباكها إلى خطوط الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي.
وأمام هذا التحول، يطرح الشارع اليمني والمراقبون سؤالاً جوهرياً: من أين تستمد هذه الجماعة قوتها وسيطرتها على المشهد اليوم؟
الوقائع والتحليلات تظهر أن قوة الحوثيين لا تتكئ على التفوق الإيديولوجي أو مشروع إدارة الدولة الناجح، بقدر ما تُغذّيها سلسلة من الأزمات الداخلية المتراكمة، وهشاشة الخصوم، وصناعة الفقر الممنهج.
تستند جماعة الحوثي إلى إرث ممتد للزيدية في اليمن، غير أن النقطة الفاصلة في تاريخها كانت أحداث عام 2011 ومرحلة "الربيع العربي".
فمع تصدع نظام الرئيس السابق علي عبد الله صالح واشتعال الصراع داخل منظومة الحكم آنذاك، وجد الحوثيون ثغرة في جدار الدولة التائهة.
وبفضل انضباطهم التنظيمي وقدرتهم العالية على التعبئة والتكتيك العسكري، استطاعوا ملء الفراغ السياسي والعسكري المتشكل، ليقودهم ذلك في النهاية إلى الانقضاض على العاصمة صنعاء عام 2014.
تفيد معطيات الواقع بأن النظرية العقائدية للجماعة بدأت تُسجل تراجعاً وتآكلاً لافتاً في الشارع، لا سيما بعد الفشل الذريع في إدارة مؤسسات الدولة وتدمير ما تبقى من مقوماتها.
وبدلاً من الإقناع الفكري، غدا الفقر وسيلة الحشد الأساسية.
فقد تعرض الاقتصاد اليمني لضربة قاضية شلت حركة الحياة:
*توقفت مرتبات الموظفين الحكوميين.*
*أُثقل كاهل التجار والمستثمرين بالجبايات والمكوس والإتاوات المرتفعة، ما دفع برؤوس الأموال للفرار خارج البلاد.*
أمام هذا الجفاف الاقتصادي، أُغلقت نافذة العيش الكريم أمام آلاف الشباب والخريجين الجامعيين، ليجدوا أنفسهم بين فكي الفقر أو الالتحاق بصفوف الجماعة كخيار أخير للحصول على الحد الأدنى من الدخل في رحلة محفوفة بالخطر.
ولم يتوقف التحشيد عند هذا الحد، بل تحول إلى ما يشبه "المزاد العشائري"؛ حيث تنظم الجماعة منافسات بين مشايخ القبائل وعُقّال الحارات، وتُقدم مكافآت مجزية لمن يجمع أكبر عدد من المقاتلين، بغض النظر عن أعمارهم، ما تسبب في الزج بآلاف الأطفال والشباب في أتون المعارك.
تعتمد الانتصارات العسكرية التي حققها الحوثيون على استراتيجية "الكلفة البشرية المفتوحة"؛ فالجماعة على استعداد مستمر للتضحية بآلاف المقاتلين للسيطرة على موقع عسكري أو جبل استراتيجي، إذ تحركها رغبة فرض السيطرة والتمكين بصرف النظر عن حجم الخسائر البشرية بين أبناء الشعب.
في المقابل، تخوض الأطراف اليمنية المناهضة للحوثي معاركها تحت وطأة حسابات أخرى؛ أبرزها المخاوف من استنزاف العنصر البشري وتجنب تقديم كتل بشرية هائلة في معارك مفتوحة، مما يمنح الحوثي تفوقاً ميدانياً قائماً على الجرأة الشديدة في استرخاص الدماء.
ولا يمكن فصل تمدد الحوثيين عن الوضع الداخلي لمعسكر خصومهم. فقد عانت الحكومة الشرعية من:
*تعدد رؤوس القرار:*
وتنازع الصلاحيات بين الأطراف المتعددة داخل معسكرها.
*الفساد المستشري:*
الذي أضعف أداء المؤسسات العسكرية والمدنية.
*الأجندات المتضاربة:*
حيث ساهمت دعوات الانفصال والمشاريع الضيقة في تمزيق الصف المناهض للجماعة.
هذا التشتت جعل من الحوثيين الطرف الأكثر توحداً وتنظيماً في المشهد، ليرسخ ذلك من واقع سيطرتهم على الأرض في المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية.
وعلى الصعيد الخارجي، تبنى الحوثيون سردية عداء واضحة تجاه المملكة العربية السعودية، إذ يُصوّرون التحالف العربي كـ "معتدٍ"، متجاهلين حقيقة أن التدخل جاء بطلب رسمي من السلطة الشرعية في اليمن.
وتستند هذه السردية إلى أدبيات الجماعة التي ترى في النظام السعودي نظاماً استعمارياً متوافقاً مع المشاريع الغربية، مروجين لضرورة تحرير الأراضي المقدسة.
أما عمليات استهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية داخل المملكة، فتهدف الجماعة من ورائها إلى مسارين:
*إظهار عجز الدولة عن حماية أراضيها أمام الرأي العام المحلي والسعودي.*
*ابتزاز الرياض سياسياً واقتصادياً لفرض واقع جديد.*
ورغم هذه الهجمات، يرى مراقبون استراتيجيون أن قدرة التحالف والسعودية على حسم المعركة عسكرياً قائمة، غير أن الرياض تتعامل برصانة وتنتظر نضوج الظروف السياسية والدولية التي تضمن تحركاً بشرعية كاملة لإكمال هذه المواجهة وإنهاء التمرد.
إن القوة التي يبديها الحوثيون اليوم على الساحتين المحلية والدولية لا تنبع بالضرورة من عبقرية سياسية أو قبول شعبي واسع، بل هي حصيلة استغلال للفقر المادي، وحالة الانقسام والفساد التي شلت خصومهم، وإلغاء كلفة العنصر البشري في حروبهم.
ولن تبدأ استعادة التوازن في اليمن إلا بوجود سلطة شرعية موحدة، واقتصاد متعافٍ يُعيد للشباب اليمني كرامتهم بعيداً عن خيار خوض المعارك.