آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:39ص

معركة اليمن الحقيقية

الأحد - 25 أكتوبر 2026 - الساعة 07:33 م
محمد خالد الحسيني


لم يعد مقبولاً النظر إلى ما يجري في اليمن باعتباره أزمة داخلية تتعثر تسويتها، ولا مجرد مواجهة بين الحكومة والحوثيين.

بينما الحقيقة الأكثر خطورة أن البلاد أصبحت ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، وميداناً لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية، وجزءاً من معادلة إقليمية تتداخل فيها حسابات الأمن السعودي، والمواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وصراع النفوذ الدولي، ومصالح القوى المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.


وأرى أن أخطر ما في هذه اللحظة ليس اتساع رقعة المواجهة فحسب، بل احتمال أن يتحول اليمن مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات، فيما يتراجع مشروع الدولة الوطنية إلى هامش القرارات الخارجية.


إن الهجمات الح

وثية على السعودية، والتصعيد العسكري في شبوة، وما يُعلن عن ضبط شحنات أسلحة مرتبطة بالحوثيين، مؤشرات تكشف أن الجبهة اليمنية لم تعد منفصلة عن أمن الخليج وممرات التجارة الدولية.


فهذه التطورات لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً متفرقة، بل تستوجب قراءة سياسية تربط بين مسارات التصعيد ومصادر القوة ومصالح الأطراف المتداخلة، دون القفز إلى استنتاجات لا تسندها الأدلة.


وفي هذا السياق، يكتسب اجتماع إسطنبول، الذي ضم عدداً من الدول المؤثرة، أهمية تتجاوز حدود التشاور الدبلوماسي؛ إذ يعكس إدراكاً بأن الحرب الإقليمية باتت تهدد أمن الملاحة واستقرار المنطقة.


لكن السؤال الجوهري يظل: هل يتقدم الحل اليمني في حسابات هذه الدول، أم تتقدم مصالحها الأمنية والاقتصادية على حساب استعادة الدولة اليمنية؟


أحسب أن الفرق كبير بين اتفاق الدول على ح

ماية الملاحة واحتواء التهديدات، واتفاقها على إنهاء الانقسام اليمني، وتوحيد المؤسسات، واستعادة القرار السيادي.


فالأول تفرضه المصالح العاجلة، أما الثاني فيحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإجراءات عملية تتجاوز البيانات والتصريحات.


وتأتي زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، والتحركات الباكستانية تجاه إيران، وجولة فرنسا الخليجية، بالتزامن مع الحديث الأمريكي عن احتمال توجيه ضربات لإيران، والتصريحات المتشددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.


وتكشف هذه التحركات تبايناً في حسابات القوى الدولية والإقليمية بين الضغط العسكري والاحتواء الدبلوماسي، وبين حماية المصالح الاقتصادية ومنع انفجار مواجهة واسعة.


أما بريطانيا وألمانيا وفرنسا، فرغم اختلاف مقارباتها، فإن الدعوة إلى التهدئة لا تكفي وحدها ما لم تقترن بموقف جاد يواجه أسباب الصراع.


وهنا تتجلى هشاشة الموقف الدولي: تعدد المبادرات، وتضارب الأولويات، وغياب الإرادة الموحدة القادرة على تحويل المواقف المعلنة إلى إجراءات فعلية.


ومع ذلك، لا يجوز اعتبار كل تحرك خارجي مؤامرة على الي

من؛ بل ينبغي قياس المواقف بنتائجها، ومدى احترامها لسيادته ومصالح شعبه.


لكن أين يقف المشروع الوطني اليمني وسط هذه المعادلة؟

أعتقد أن أزمته الأعمق تكمن في الفجوة بين الاعتراف السياسي بالدولة وقدرتها الفعلية على ممارسة السيادة.


فالدولة لا تُقاس بالاعتراف الدولي وحده، ولا بوجود حكومة تحمل اسمها، وإنما بقدرتها على توحيد القرار العسكري والأمني، واحتكار السلاح، وإدارة الموارد، وتوفير الخدمات، وتمثيل المواطنين بإرادة مستقلة.


وما لم تتحقق هذه الشروط، ستظل اليمن عرضة لأن يقرر الآخرون مصيرها وفقاً لمصالحهم، فيما يدفع اليمنيون ثمن الصراعات المتجددة.


وأنظر إلى جوهر المشكلة باعتباره صراعاً على القرار بقدر ما هو صراع على الأرض، فحين تتعدد مراكز القوة، وتتوزع الولاءات، وتغيب الرؤية الوطنية الجامعة، تصبح الأطراف الخارجية أكثر قدرة على التأثير في مسار الحرب والتسوية معاً.


غير أن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ فالقوى اليمنية تتحمل مسؤولية مباشرة عن استمرار الانقسام، وعن تقديم الحسابات الفئوية على استحقاقات بناء الدولة.


وأحسب أن استعادة السيادة لا تكون بالارتهان لمحور إقليمي ضد آخر، ولا باستبدال التبعية لطرف بالتبعية لطرف مختلف.


المشروع الوطني الحقيقي هو الذي يحوّل علاقات اليمن بالسعودي

ة وإيران وروسيا والولايات المتحدة وأوروبا إلى علاقات ندية، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على الوصاية أو استخدام البلاد ورقة ضغط.


إن المطلوب موقف وطني يعيد توحيد المؤسسات، ويضع السلاح تحت سلطة الدولة، ويؤسس لتسوية سياسية عادلة، بالتوازي مع مسؤولية دولية تتجاوز إدارة المخاطر إلى معالجة جذور الأزمة.


فالدعوة إلى السلام تفقد معناها إذا لم تُترجم إلى خطوات تنهي أسباب الحرب وتضمن لليمنيين حقهم في تقرير مستقبلهم.


وأخلص إلى أن السؤال لم يعد مَن ينتصر في جولة عسكرية، بل مَن يمتلك قرار اليمن ومستقبله.


فإذا واصل الخارج إدارة الأزمة بدلاً من حلها، وواصل الداخل تبديد فرص الدولة، فستظل البلاد رهينة تناقضات الإقليم وهشاشة الموقف الدولي.


أما اليمن الذي ننشده، فهو دولة ذات سيادة، تمتلك قرار الحرب والسلام، وتبني علاقاتها على الندية وتبادل المصالح.


وما عدا ذلك قد يوقف جولة من القتال، لكنه لن ينهي الأزمة؛ بل سيؤجل انفجارها، ويترك مستقبل اليمن مفتوحاً أمام صراعات لا يملك اليمنيون وحدهم قرار إشعالها أو إيقافها.


محمد خالد الحسيني