حين تسير في شوارع مقديشو، أو تتأمل حركة الأسواق النابضة بالحياة وسط ركام التاريخ وتداعيات السياسة، يلفتك تناقض مدهش يعكس عبقرية البقاء الإنساني في أقسى الظروف. فالبلد الذي غابت عنه مؤسسات الدولة وتبعثرت نظمه النقدية منذ أكثر من ثلاثة عقود، لا يزال ينبض بالحركة، بل ويعتمد تقنيات مالية ورقمية تسبق أحيانا عواصم إقليمية عريقة. غير أن هذا الصمود الاقتصادي المذهل يتحرك على أرضية هشة ومنفصمة؛ حيث غاب الشلن الصومالي، وبات الدولار الأمريكي السيد المطاع في كل معاملة، متحكماً في الأقوات والمدخرات، بينما تخلت الدولة منذ عام 91 عن حقها الأصيل في طباعة العملة وإدارتها، تاركة الأوراق القديمة عرضة للتزييف والاهتراء
لكن المثير للدهشة حقاً ليس فقط هذا التعايش الواقعي مع العملة الأجنبية، وانما إن هذه الهياكل الاقتصادية المبعثرة والمهددة بغياب المظلة المصرفية المركزية، اندمجت كلياً مع الثورة الرقمية الحديثة. فقد تحولت هواتف الصوماليين البسيطة إلى خزائن متنقلة وبنوك رقمية تدير الائتمان والادخار والمدفوعات بدقة مذهلة، محددة كلها بالدولار الأخضر. وحين تتأمل هذا المشهد، تدرك أن الشعوب قادرة على ابتكار نظمها الخاصة وحماية عصب حياتها حين تتقاعس المؤسسات الرسمية أو تعجز، وكأن المجتمع يكتب عقداً اجتماعياً جديداً للأعمال خارج أسوار البنوك التقليدية وتحت سماء مفتوحة على كل الاحتمالات.
والأكثر إثارة للريبة والتأمل في آن واحد، هو ذلك التناقض الصارخ الذي يختصر حكاية الصومال اليوم؛ففي الوقت الذي يقف فيه البنك المركزي عاجزاً عن طباعة ورقة نقدية وطنية واحدة تحفظ هيبة الدولة، وتغرق الدورة النقدية بالتزييف، تجد الكهرباء تضيء البيوت والمتاجر على مدار الساعة بفضل المبادرات الشعبية والقطاع الخاص. وكأن هذا النور المستمر وسط عتمة السياسة وهشاشة النظام النقدي،وهده بحد داتها رسالة صامتة تقول إن إرادة الحياة وعزيمة الناس أبقى وأقوى من انهيار الحكومات، وإن الاقتصاد الحقيقي يولد دائماً من رحم الحاجة لا من قرارات المكاتب المغلقة.
واللافت في هذا المشهد ليس فقط ترسخ (الدولرة)الشاملة في اقتصاد بلا بنك مركزى يضبط الإيقاع، بل تلك المفارقة المذهلة التي يواجهها الزائر والراصد معاً. فعلى الرغم من هشاشة الهياكل النقدية وغياب الاستقرار السياسي التقليدي، ينتظم إيقاع العيش بيسر مدهش؛ فبينما تُدار المدخرات والائتمانات عبر شاشات الهواتف المحمولة وتطبيقات الدفع المبتكرة، تستمر شبكات الخدمات الأساسية كالكهرباء في العمل بانتظام على مدار الساعة، متجاوزةً عجز البيروقراطية الرسمية. إنها مفارقة مجتمع قرر أن يسبق دولته مستنداً إلى مرونة عجيبة وحيوية شعبية ترفض الاستسلام، لتبقى إرادة الحياة هناك أقوى بكثير من غياب المؤسسات.