آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-01:57ص

امرأة من تعز.. تسقط انسانية العالم

السبت - 24 أكتوبر 2026 - الساعة 02:17 م
عمر الحار


اسقطت صورةُ الأمِّ التعزية العظيمة، التي تحمل جثمان ابنتها القتيلة على كتفها، متعثرة الخطوات في طرق جبلية وعرة بحثًا عن مواراة جسدها الثرى، انسانية العالم باسره، وذكرتني بصورةٍ مأساوية أخرى استحضرتها الذاكرة من ركاك مآسي الحرب العالمية الثانية؛ حينما أحرقت القنبلة الذرية هيروشيما، وتركت خلفها مشاهدَ لم يستطع الزمن محوها من ذاكرة البشرية.

كانت الصورة التي استحضرتها الذاكرة لطفلٍ ياباني يحمل جثمان أخيه الصغير، وقد أنهكه هول الكارثة، و العالم يحدّق في واحدة من أبشع جرائمه، بحق الطفولة التي  تروي، بصمت، حكايةَ إنسانيةٍ أُحرقت فيها الحياة، ولم يبقَ للناجين منها سوى حمل الموتى والبحث عن مكانٍ يليق بدفنهم.

وفي تعز، تتكرر المأساة بصورة أخرى، لا تقلّ قسوةً ولا فداحة؛ أمٌّ تحمل ابنتها الشهيدة فوق كتفها، وتمضي في دروب الجبال الوعرة، لا بحثا عن نجاةٍ لنفسها، ولا عن دواءٍ لجراحها، وإنما عن بقعةٍ من الأرض تحتضن جسد ابنتها، وتمنحها حقًّا أخيرًا لم تستطع الحرب أن تنتزعه من ضميرها: حقّ الدفن بكرامة.

يا له من عالمٍ غريب! يرفع شعارات حقوق الإنسان، ويحتفي بكرامة الحياة، ثم يعجز عن حماية طفلٍ من القتل، أو أمٍّ من السير بجثمان ابنتها في طرقاتٍ موحشة، بحثًا عن قبرٍ آمن. عالمٌ لم يستطع أن يمنع جريمة هيروشيما، ولم يتعلّم من رمادها ما يكفي لمنع تكرار المأساة في أماكن أخرى، ومنها اليمن، حيث تتناسل الفواجع، وتُترك الأمهات لمواجهة الموت وحدهن.

ليست المأساة في أن تحمل أمٌّ جثمان ابنتها على كتفها فحسب؛ بل أن تُجبر على سير في الطرقات الجبلية كآخر ما يربطها بابنتها، في حين يغدو البحث عن قبرٍ آمن رحلةً شاقةً في وطنٍ كان ينبغي أن يكون أكثر الأماكن أمانًا لأبنائه.

إنها صورةٌ لا تُدين القاتل وحده، بل تضع العالم بأسره أمام مرآة ضميره؛ فحين تُقتل الحياة، ويُهان الموتى، وتُترك الأمهات في مواجهة الفاجعة بلا حماية، لا تعود الكارثة شأنًا محليًّا، بل تصبح وصمةً في جبين الإنسانية جمعاء.

لم أستطع أن أكتب عن هذه الأم كما أكتب عن سائر المآسي؛ لأن بعض الصور لا تُكتب، بل تُبكي الكلمات قبل أن تولد. ولم أستطع أن أتجاوز صورة ابنتها المحمولة على كتفها، ولا أن أسألها كيف احتملت الطريق، فيما كان السؤال الأشدّ إيلامًا ينهشني من الداخل: كيف احتمل العالم هذه الصورة؟

لم أستطع العثور على خاتمةً لهذا الوجع، تذكّرت أن الأم ما زالت تمشي، وأن ابنتها ما زالت محمولةً على كتفها، و العالم، بكل ما يملكه من ضجيج الشعارات، لم يمنح هذه الأم حتى الآن جوابًا يليق بدموعها.

فالصورة التي حاولت وصفها لا تستدعي الحزن وحده، بل تستدعي سؤالًا أخلاقيًا موجعًا عن عالمٍ يرى المأساة، ثم يمضي كأن شيئًا لم يكن.

بعض صور المأساة لا تحتاج إلى بلاغةٍ تُزيّنها، بل إلى قلمٍ شجاع لا يخون وجعها، يمنحها صوتًا يصل إلى ضمير العالم. يختصر مأساة الأم، وقسوة الحرب، وعجز الضمير الإنساني.

تركت الصورة تتكلم، وتركت علامات التعجب تصرخ حيث تعجز الكلمات.

فحين تعجز الكلمات عن حمل المآسي، يأتي عنوانٌ كهذا ليحملها وحده، لانه من وجهة نظري من العناوين التي لا تنتهي عند آخر حرف، بل تبدأ بعدها الأسئلة التي يخشاها الضمير الغائب.