آخر تحديث :الأربعاء-28 أكتوبر 2026-11:39ص

هل تحسم إسطنبول معادلة اليمن؟

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 07:35 م
محمد خالد الحسيني


لم يعد اليمن يحتمل مزيدا من سياسة الاحتواء التي تؤجل الانفجار ولا تمنع أسبابه فمع تصاعد التهديدات للسعودية وتزايد المخاطر على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب باتت الأزمة اليمنية اختبارا صريحا لجدية المواقف الإقليمية والدولية لا مجرد ملف آخر على طاولة الدبلوماسية

ومن هنا تكتسب مشاورات إسطنبول أهمية تتجاوز انعقادها إذ تضع المشاركين أمام سؤال حاسم هل يتحول التوافق السياسي إلى استراتيجية عملية تحد من تهديدات الحوثيين وتدعم استعادة الدولة اليمنية أم تنتهي المشاورات إلى بيانات جديدة فيما تستمر الأزمة في تقويض أمن المنطقة

في رأيي لم تعد المشكلة نقصا في التحذيرات والإدانات بل غياب إرادة مشتركة لترجمتها إلى نتائج ملموسة فاحتواء التهديد لم يعد بديلا عن حسم أسبابه

وتأتي مشاورات إسطنبول بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان إلى جانب بريطانيا وفرنسا وألمانيا في لحظة تتشابك فيها تطورات اليمن مع التوترات الإقليمية وأمن الممرات البحرية

وتكمن أهميتها في قدرتها على جمع أطراف تتقاطع مصالحها في حماية الاستقرار رغم اختلاف أولوياتها

لكن قيمة الاجتماع لا تقاس باتساع المشاركة أو بصياغة البيانات بل بما إذا كان سينتج موقفا مشتركا يترجم القلق من التصعيد إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة

وفي تقديري ينبغي أن تتجاوز مخرجات إسطنبول تأكيد دعم الحكومة اليمنية وحرية الملاحة إلى تنسيق واضح في مواجهة شبكات التمويل والتسليح غير المشروع وتعزيز التعاون الأمني والقانوني وحماية المدنيين ودعم مؤسسات الدولة

كما يتعين تحديد المسؤوليات والأولويات ووضع آليات دورية لتقييم النتائج حتى لا تتحول المشاورات إلى محطة جديدة لإدارة الأزمة بدلا من معالجة أسبابها

فالدبلوماسية التي لا تنتج التزامات عملية تظل محدودة الأثر مهما اتسعت دائرة المشاركين فيها

وتفرض المخاطر التي تواجه البحر الأحمر وباب المندب التعامل مع الملف اليمني باعتباره جزءا من معادلة الأمن الإقليمي والدولي

فتهديد الملاحة والهجمات التي تستهدف السعودية لا يمكن فصلهما عن استمرار الصراع وضعف مؤسسات الدولة

ولا تكفي اعتراضات الصواريخ والطائرات المسيرة لمعالجة هذه المخاطر على المدى الطويل إذ يتطلب الأمر مواجهة مصادر التسليح والتمويل وتعزيز التعاون الإقليمي ومنع استخدام اليمن ورقة ضغط في صراعات أوسع

وأعتقد أن اختزال الأزمة في حماية التجارة العالمية يعالج جانبا من المشكلة ويترك جذورها قائمة

فاستقرار الممرات البحرية سيظل هشا ما دامت الدولة اليمنية منقسمة وما دام السلاح خارج مؤسساتها قادرا على فرض معادلاته بالقوة

لذلك يجب أن تتكامل الجهود الدولية لحماية الملاحة مع مسار سياسي يعيد للدولة سلطتها ويمنع اتساع المواجهة ويحفظ المصالح الإقليمية من دون التضحية بحق اليمنيين في الأمن والاستقرار

غير أن مسؤولية استعادة الدولة لا تقع على الأطراف الخارجية وحدها ففي تقديري يبدأ الحسم بقرار يمني يوحد الصف المناهض للحوثيين وينهي ازدواجية مراكز السلطة وينسق القرارين السياسي والعسكري ضمن رؤية وطنية مشتركة

فالدعم الخارجي مهما اتسع لن يعوض غياب القيادة الموحدة والمؤسسات القادرة على تحويل الموارد إلى أمن وخدمات واستقرار

ولهذا ينبغي ربط المساندة الإقليمية والدولية بأهداف قابلة للقياس تشمل تعزيز مؤسسات الحكومة وتحسين الخدمات وحماية المدنيين ومكافحة شبكات التمويل والتسليح مع ضمان عدم تضرر المساعدات الإنسانية والتجارة المشروعة

ولا يعني الحسم فتح مواجهة عسكرية بلا أفق كما لا تعني التسوية تكريس الانقسام أو مكافأة فرض الوقائع بالقوة

المطلوب استراتيجية متكاملة تجمع الضغط القانوني والمالي والأمني بالعمل الدبلوماسي وتبقي باب التفاوض مفتوحا أمام اتفاق ينهي الحرب ويضمن خضوع السلطة والسلاح لمؤسسات الدولة والقانون

ومن دون هذا التوازن ستظل التحركات الدولية معرضة لإنتاج تهدئات مؤقتة لا تمنع تجدد الصراع

في رأيي تقف دبلوماسية إسطنبول أمام امتحان يتجاوز إصدار المواقف المشتركة إلى إثبات قدرتها على التأثير في المشهد اليمني

فالمطلوب ليس إدانة التهديدات مجددا بل بناء شراكة إقليمية ودولية تحول التوافق إلى التزامات واضحة ونتائج ملموسة

إن احتواء الحوثيين قد يشتري الوقت لكنه لا يصنع السلام ما لم يقترن بمشروع جاد لاستعادة الدولة اليمنية

وهنا تتحدد أطروحة الحسم إما أن يتحول التنسيق الدولي إلى استراتيجية تعالج جذور الأزمة وتعيد القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة أو يستمر اليمن ساحة مفتوحة للصراعات وتبقى المنطقة عرضة لتهديدات متجددة وبين إدارة الأزمة وإنهائها يتحدد مستقبل اليمن وأمن محيطه الإقليمي