تتسع صفحات التاريخ الإسلامي لرموزٍ عظام كسروا طوق الجغرافيا وصنعوا تحولاتٍ فارقة في مسار البشرية.
ويأتي في صدارة هؤلاء الفاتح الفذ قتيبة بن مسلم الباهلي، القائد الذي أثبت أن قيمة الإنسان ودوره التاريخي لا يُحددان بنسبٍ ولا بعصبية قبيلة، بل بالهمة العالية والإيمان الراسخ والفروسية الفذة.
في الجاهلية، كانت العصبيات القبلية تُعلي قدر أقوامٍ وتحط من آخرين؛ وكان يُنظر إلى قبيلة "باهلة" المضرية بنوعٍ من الدونية والتندر، حتى قيل للأعرابي: «لو خيروك أن تكون من باهلة وتدخل الجنة؟» فقال: «بشرط ألا يعلم أهل الجنة أني من باهلة!».
لكن رسالة الإسلام الخالدة جاءت لتهدم هذه الموازين الجاهلية، وتصنع معياراً جديداً للفضيلة أساسه الكفاءة والعطاء.
ومن رحم هذه القبيلة، برز قتيبة بن مسلم بطلاً جامعاً بين الشجاعة، والفروسية، والعلم.
وعندما توسم فيه الحجاج بن يوسف الثقفي الفطنة والدهاء العسكري، أوصى الخليفة عبد الملك بن مروان بتوليته على "خراسان"، فكانت تلك الخُطوة بداية لواحد من أعظم فصول الفتوحات الإسلامية.. وهكذا صعد قتيبة الباهلي من جدار العصبية إلى قمة المجد.
قاد قتيبة جيوش المسلمين بنشاطٍ لا يستريح، فأنار بلاد "ما وراء النهرين" بنور الإسلام، وفتحت عساكره سمرقند، وبخارى، وحاصر بيكند، حتى وُطئت خيوله أطراف الشرق الأقصى ووصل إلى حدود الصين عند منطقة "كاشغر".
وهناك، تتجلى عزة القائد المسلم وهيبته؛ فعندما أرسل وفداً إلى إمبراطور الصين، حاول الأخير الاستهانة بقلة عدد المسلمين، فجاءه الرد الذي هز أركان بلاطه: «كيف يكون أصحابه قلة، وأول خيله عندك وآخره في منابت الزيتون بالشام؟!».
ولما تساءل الملك عما يرضي قتيبة ليرجع، قالوا: «لقد أقسم ألا ينصرف حتى يطأ تراب أرضكم، ويختم على أبناء الملك، وتُؤدى له الجزية».
فما كان من ملك الصين إلا أن بعث بأبنائه وآنية مملوءة بتراب أرضه؛ فبرَّ قتيبة بقسمه، وختم على أعناق أبناء الملك، ووطئ التراب، ليخلد اسمه بحروف من نور في أقصى المشرق.
غير أن السياسة كعادتها تحمل في طياتها تقلباتٍ غادرة.
ففي أواخر عهد الوليد بن عبد الملك، حدث الشقاق حول ولاية العهد بين الوليد وأخيه سليمان. وكان قتيبة ممن أيّدوا الوليد في عزل سليمان، فلما آلت الخلافة إلى سليمان بشكل مفاجئ بعد وفاة أخيه، توجس قتيبة خيفةً من الانتقام والعزل.
وفي محاولة استباقية لإدارة الأزمة، أرسل قتيبة مبعوثاً إلى الخليفة الجديد ومعه ثلاثة كتب متدرجة:
* الكتاب الأول: تهنئة بحرارة بمناسبة توليه الخلافة.
* الكتاب الثاني: تذكير بالفتوحات العظيمة والمكاسب التي حققها للإسلام.
* الكتاب الثالث: تهديد صريح بالاستقلال بخراسان والخروج عليه إن قرر عزله.
أدرك الخليفة سليمان بن عبد الملك قدر قتيبة ومكانته، فختم على الكتاب الثالث وأرسل يثبته في موقعه والياً على خراسان.
*السقوط المأساوي.. زلةٌ في لحظة انفعال.*
لكن التسرع وسوء التقدير لم يمهلا قتيبة؛ إذ استبق الأحداث قبل وصول رد الخليفة، وجمع القبائل العربية في جيشه معلناً خلع طاعة سليمان بن عبد الملك والاستقلال بسمرقند.
وعندما رفض الجنود موافقته على هذا الخروج، انتابت القائد حالة انفعالية حادة، فألقى فيهم خطبة قاسية مليئة بالتجريح والتقريع.
واستثارت تلك الكلمات حفيظة الجيش، فأنقلبت الحاضنة العسكرية عليه، وحاصروه ثم قتلوه وحزوا رأسه؛ لتنتهي سيرة أسطورة عسكرية بخطأ استراتيجي فادح ونهاية مفجعة.
ويبقى قول الشاعر العربي شاهداً على حجم الخسارة التي مني بها المسلمون بفقده:
*ندمتم على قتل الأغرّ بمسلمٍ.*
*وأنتم إذا لاقيتمُ الله أندمُ.*
*وقد كنتمُ من غزوه في غنيمةٍ ... وأنتم لمن لاقيتمُ اليوم مغنمُ.*
*إنصاف التاريخ.*
لقد اختصر الحافظ ابن كثير رحلة هذا القائد الفذ بكلماتٍ جامعة ومُنصفة، إذ قال عنه:
«وقد كان قتيبة بن مسلم الباهلي من سادات الأمراء وخيارهم، وكان من القادة الكبراء والنجباء والشجعان... وقد هدى الله على يديه خلقاً كثيراً لا يحصيهم إلا الله... ولكنه زل زلة لقي بها حتفه... وقد سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله بها عنه سيئاته، والله يسامحه ويعفو عنه».
رحم الله الفاتح العظيم قتيبة بن مسلم الباهلي، وغفر له زلته، وجعل ما قدمه لرفع راية الإسلام في ميزان حسناته.