يكفي عدن ما تجرعته من مرارة الدمار ، وما قدمته من قرابين أرواح بريئة أُزهقت تحت مظلات التعصب المذهبي الأعمى. إن ما شهدته هذه المدينة الصابرة لم يكن إلا نتاجاً لثقافة العنف والعنف المضاد ، وتغذية للأحقاد وضغائن التكفير التي استباحت دم المسلم بيد أخيه المسلم ، تحت مبررات واهية لا تقرها شريعة ولا يقبلها عقل .
إن حركة الحياة والتاريخ تسير دوماً في مسارين طريق الصواب البنّاء ، وطريق الخطأ المدمر . وتبقى الأحداث الإنسانية مهما بلغت قسوتها دروساً وعبراً مدونة في سفر التاريخ ، ليتأملها العقلاء فيتجنبوا أسباب الفرقة والشتات التي أفضت إلى أن يقتل الأخ أخاه . فالراحلون من كل الأطراف قد أفضوا إلى ما قدموا ، وأصبحوا اليوم بين يدي حكم عدل تجتمع عنده الخصوم ، وهو وحده سبحانه من يجازي كل نفس بما كسبت خيراً أو شراً .
لكن المصيبة الكبرى التي نعيشها اليوم ، تكمن في أولئك الذين يصرون على لعب دور نافخ الكير ، الذي لا يكف عن إشعال النيران وزيادة حطبها ليحترق في أتونها الجميع .
لقد حان الوقت لينتهي هذا التوظيف الانتهازي للخلافات المذهبية والتاريخية ، وتوظيفها لتبرير سفك الدماء بالباطل باسم الدين ، فالدين الإسلامي الحنيف بريء من هذه الجرائم براءة ذئب يوسف من دمه . فلا يعقل ولا يجوز أن يظل أبناء المواطنين البسطاء وقوداً دائمًا لحروب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
وإننا لنتساءل بلسان الواقع المرير إذا كان دعاة التكفير والحروب صادقين حقاً في مزاعمهم وشعاراتهم الرنانة بالدفاع عن الدين والعقيدة ، فلماذا لا يتوجهون هم وأبناؤهم إلى الصفوف الأمامية ومحارق الموت؟ لماذا يفضلون البقاء في فنادق الترف الفاخرة خارج الحدود ، يستلمون الأوامر والعبث بالوطن ، ويدفعون بأبناء الفقراء إلى المقابر ، فقط ليحافظوا على كراسي الحكم ونفوذهم ؟ , إنهم يبحثون عن حصانة واهية تحميهم من الحساب والعقاب على ما اقترفوه من فساد وتدمير للبلاد، وإفقار لشعب يموت اليوم بفعل العوز والجوع وتفشي الأوبئة ، بعد أن فرطوا بالسيادة الوطنية ، والقرار المستقل ، والثروات السيادية للبلاد .
إنها بلا شك حرب عبثية تُدار تحت عناوين طائفية ومناطقية زيفة ، يدفع ثمنها المواطن البسيط الذي لا حول له ولا قوة .
لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، سنجد أن عدن قبل عام 1967م كانت نموذجاً ملهماً وفريداً للتعايش السلمي بين مختلف الأجناس ، الأعراق ، الأديان ، والمذاهب . عاش الجميع تحت مظلة واحدة هي عدالة النظام والقانون ، حيث كان الجميع أمام سلطة القضاء سواسية ، لا فرق بين وزير وغفير ، ولا بين غني وفقير . وكان سر هذا النجاح والاستقرار يكمن في أن إدارة المدينة وأمنها كانا بأيدي أبنائها المخلصين .
واليوم، ينبغي أن يكون هذا النموذج هو القاعدة الأساسية لكل مدينة يمنية , بحيث يتولى أبناء كل محافظة إدارة شؤونهم المحلية وتأمين مدنهم . أما السلطة المركزية، فيجب أن تصاغ عبر انتخابات حرة، نزيهة ، وبإشراف دولي كامل ، ليكون صندوق الاقتراع هو الحكم والفيصل الذي يحترمه الجميع، كونه يمثل الإرادة الحقيقية وصوت المواطن ، ويمهد الطريق لإرساء مبدأ التبادل السلمي للسلطة . يجب أن ينتهي عهد احتكار السلطة لفئة معينة دون بقية المجتمع ، لمجرد ارتهانها وعمالتها للخارج .
وهنا يكمن مربط الفرس وأولى حلقات الاستقرار والمتمثلة في رفع يد الوصاية والهيمنة الخارجية عن اليمن ، ليلتقي أبناء الوطن الواحد على طاولة حوار مستديرة ، كشركاء حقيقيين يجمعهم سقف وطن واحد يتسع للجميع .
وفيما يخص عدن تحديداً ، فإن الضرورة الوطنية والإنسانية الملحة تستدعي تجنيب هذه المدينة العريقة ويلات الصراعات المسلحة ، وذلك عبر إخراج كافة المليشيات المسلحة الممولة من الخارج ، وتسليم ملفها الإداري والأمني بالكامل لأبنائها .
إن عدن تستحق سلاماً مستداماً ينقذها من كابوس الحروب التي استنزفتها منذ عام 1967م وحتى اليوم. ومن كان يصر على خوض الحروب ، فلتكن حربه بعيداً عن أحياء عدن ومساكنها ، وليخضها قادة السلطة والمسؤولون بأنفسهم وأبنائهم ، فقد كفى أبناء المواطن الفقير أن يكونوا وقوداً وضحايا لهذه المحارق العبثية ،
عبدالكريم الدالي