آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-01:57ص

رسالة خاصة لمحافظ حضرموت (2) .. حضرموت وشبوة.. من تحولات التاريخ إلى اختبار الشراكة الوطنية

الجمعة - 23 أكتوبر 2026 - الساعة 05:40 م
عمر الحار


عرفانًا بموقفٍ وطنيٍّ وإنسانيٍّ أصيل، نتقدّم بخالص الشكر والتقدير إلى النائب الرئاسي، رجل الدولة والادارة والوطن، محافظ حضرموت، الأستاذ المناضل سالم الخنبشي، على وقوفه المسؤول إلى جانب أبناء شبوة الناجين من محرقة الموت الحوثية في معكسر تدريبهم الامني بالعلم، وإشرافه على استقبالهم وتوفير الرعاية الطبية لهم في المستشفيات. موقفٌ يجسّد أصالة المروءة، ونُبل المسؤولية، ومعنى أن يكون رجل الدولة سندًا للموطن في أحلك الظروف.

ونتطلع من سيادة الاستاذ المناضل الى مواقف اخوية جديدة، تثلج الصدور، وتسعدنا بالبهجة والحبور، ونحن نُدركُ عظيمَ ما يكنه لشبوةَ وأهلِها، ولتاريخها ومرجعياتها، من محبةٍ وتقدير، وما تحتلّه في وجدانه من مكانةٍ راسخة وحضور.

واتمنى بان تكون رسالتي هي الفصل بالعدل في قضية الاعتراض على تكليف الأخ سند مجلبع سالم ذيبان بتسيير أعمال منفذ الوديعة البري، التي لم تكن مجرد خلاف إداري حول قرار تعيين، ولا هي واقعة معزولة عن سياقها السياسي والتاريخي، بل أعادت إلى الواجهة إشكالية أعمق تتصل بطبيعة العلاقة بين حضرموت وشبوة، وبمدى استيعاب بعض القوى والمكونات لمتغيرات الدولة الحديثة، وما تفرضه من تجاوز للحساسيات المناطقية، والانتقال من منطق الاستئثار بالمواقع والنفوذ إلى منطق الشراكة الوطنية وتكافؤ الفرص.

فمنذ ثورة الرابع عشر من أكتوبر، وما أعقبها من تحولات سياسية وإدارية كبرى في جنوب اليمن، ظلت العلاقة بين الخصوصية الحضرمية ومقتضيات الاندماج الوطني جزءًا من تعقيدات المشهد السياسي، وإن تباينت المواقف والاتجاهات الحضرمية من مرحلة إلى أخرى. ومع قيام الوحدة اليمنية عام 1990، دخلت البلاد مرحلة جديدة فرضت متغيرات واسعة في بنية الدولة ومؤسساتها، وأعادت تشكيل العلاقة بين الجغرافيا والمواطنة وتوزيع المسؤوليات العامة.

غير أن القبول بالتحولات السياسية لا يعني بالضرورة زوال التحفظات تجاه نتائجها، كما أن الانخراط في إطار وطني جامع لا يكتمل بمجرد الاعتراف به رسميًا، بل يحتاج إلى ثقافة سياسية تؤمن بأن الشراكة حق متبادل، وأن مؤسسات الدولة ليست امتدادًا للحدود المحلية، ولا ملكية حصرية لأي منطقة أو مكون اجتماعي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم ما يتجدد اليوم من خلافات بشأن مشاركة أبناء المحافظات الأخرى في بعض المواقع السيادية داخل حضرموت، باعتباره سؤالًا يتجاوز أسماء الأشخاص إلى طبيعة العقلية التي تحكم النظر إلى الوظيفة العامة: هل هي مسؤولية وطنية تتحدد بالكفاءة والاستحقاق، أم امتياز جغرافي ينبغي أن يظل محكومًا باعتبارات الانتماء المحلي؟

ولعل ما يلفت الانتباه أن قضية سند مجلبع تفتح الباب أمام مراجعة سياسية أوسع لمعايير القبول والرفض، ولحدود العلاقة بين صلاحيات المؤسسات الحكومية واعتبارات السلطات المحلية.

فالمسألة ليست في أن يتولى سند مجلبع موقعًا بعينه، ولا في أن يكون المسؤول من شبوة أو حضرموت، وإنما في المبدأ الذي ينبغي أن يحكم مثل هذه القرارات: الكفاءة، وسلامة الإجراءات، والاختصاص القانوني. فإذا توافرت هذه المعايير، فإن الاعتراض القائم على الانتماء الجغرافي وحده يصبح موضع تساؤل مشروع، أما إذا وجدت ملاحظات مهنية أو قانونية، فإن معالجتها تكون عبر المؤسسات المختصة، لا من خلال تحويل الخلاف الإداري إلى مواجهة مناطقية.

و لا أحد ينازع حضرموت مكانتها التاريخية، ولا حق أبنائها في إدارة شؤون محافظتهم والمشاركة الفاعلة في مؤسسات الدولة. لكن الاعتزاز بالخصوصية لا ينبغي أن يتحول إلى نزعة استئثار، كما أن الدفاع عن المصالح المحلية لا يبرر إغلاق الأبواب أمام الكفاءات الوطنية من المحافظات الأخرى.

إن الخلل يبدأ حين تتقدم الجغرافيا على الكفاءة، وحين يصبح الانتماء المحلي معيارًا غير معلن لقبول المسؤول أو رفضه، وحين يُنظر إلى مشاركة الآخر وكأنها انتقاص من حقوق أبناء المنطقة، بدل اعتبارها جزءًا من منظومة وطنية تقوم على تكافؤ الفرص وتبادل الخبرات والمسؤوليات.

وهنا تكمن المفارقة؛ فحضرموت، بما تمتلكه من ثقل اقتصادي وتاريخي واجتماعي، ليست بحاجة إلى الانكفاء لتأكيد مكانتها، ولا إلى تضييق دائرة الشراكة لإثبات خصوصيتها. إن قوتها الحقيقية تكمن في قدرتها على الجمع بين الاعتزاز بهويتها والانفتاح على محيطها الوطني، وفي تقديم نموذج لإدارة حديثة تتسع للكفاءات ولا تقيس أهلية المسؤول بموطنه، وإنما بقدرته على خدمة الناس وصون المصلحة العامة.

وفي المقابل، فإن شبوة لا تطلب امتيازًا استثنائيًا حين تدافع عن حق أحد أبنائها في تولي مسؤولية عامة وفقًا للقانون والاستحقاق. فالكفاءات الشبوانية جزء من الرصيد الوطني، كما أن الكفاءات الحضرمية ليست حكرًا على حدود محافظتها؛ وكل محاولة لتقييد المشاركة على أساس جغرافي تتعارض مع المبدأ الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة ومؤسساتها.

وفي القضية الراهنة، تقتضي الدقة التمييز بين التكليف المؤقت بتسيير الأعمال والتعيين الدائم، وبين الصلاحيات القانونية للوزارة ودور السلطة المحلية. فقد ارتبط تكليف سند مجلبع، وفقًا للتقارير المنشورة، بظروف إدارية أعقبت إيقاف المدير السابق وإحالته للتحقيق، قبل أن تتداول تقارير لاحقة توجهات لاختيار مدير دائم من أبناء حضرموت.

وهذه التفاصيل تجعل القضية بحاجة إلى معالجة مؤسسية واضحة، تحفظ للجهات الحكومية اختصاصاتها، وتراعي في الوقت نفسه المصالح المحلية المشروعة، وتضمن استمرار العمل في هذا المنفذ الحيوي بعيدًا عن التجاذبات السياسية والمناطقية.

ومن هنا، فإننا نتطلع إلى الأخ نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، أن يتعامل مع القضية بميزان سياسي وعقلاني واع، وأن يسهم في الوصول إلى معالجة تحفظ مكانة حضرموت وتصون حق شبوة في الشراكة، دون أن تتحول الخلافات الإدارية إلى سابقة تُكرّس مبدأ القبول بمسؤول ورفض آخر لمجرد اختلاف موطنه.

كما أن من الإنصاف أن يُقيَّم الأخ سند مجلبع على أساس مؤهلاته وخبراته وقدرته على إدارة المرفق، وأن يُمنح فرصة أداء المهمة وفقًا للقانون، ما لم توجد أسباب موضوعية ومثبتة تستدعي خلاف ذلك. فالمناصب العامة مسؤوليات تخضع للتقييم والمساءلة، وليست امتيازات جغرافية تتوارثها المناطق أو تتنازع عليها المكونات.

وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل ما يُطرح من توافقات بشأن إقامة الإقليم الشرقي، الذي يُتداول أن يضم حضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى. فمثل هذا المشروع، إن أريد له أن يشكل إطارًا مستقرًا للشراكة والتنمية، لا يمكن أن يقوم على اتفاقات سياسية مجردة، بينما تظل الممارسة الإدارية محكومة بحساسيات المناطق وحدود النفوذ المحلي.

فكيف يمكن بناء إقليم مشترك إذا ظلت كل محافظة تنظر إلى المواقع العامة باعتبارها استحقاقًا جغرافيًا مغلقًا؟ وكيف يمكن ترسيخ الثقة المتبادلة إذا أصبحت مشاركة أبناء محافظة في إدارة مرفق يخدم المصالح العامة مدعاة للاعتراض قبل النظر في كفاءتهم واختصاصاتهم؟

إن الشراكة لا تعني أن يتنازل طرف عن حقوقه، ولا أن يفرض طرف إرادته على الآخرين، وإنما أن يخضع الجميع لقواعد واحدة، وأن تتساوى أمام القانون فرص أبناء المحافظات، وأن تُدار الخلافات بالحوار والمؤسسات، لا بمنطق الغلبة أو الاستئثار.

والأقاليم لا تُبنى بمجرد جمع المحافظات في إطار إداري واحد، بل ببناء ثقافة سياسية جديدة تؤمن بتبادل المسؤوليات، وتوزيع الفرص بعدالة، واحترام الخصوصيات دون تحويلها إلى حواجز.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع يسعى إلى تجاوز أزمات الماضي وصناعة مستقبل أكثر استقرارًا.

على ما يجمع شبوة وحضرموت من قواسم تاريخية مشتركة، و روابط أخوية راسخة، وإرثٍ حضاري عريق.


يتبع

الرسالة (3)