آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:34م

في فلسفة التصريحات السياسية: عندما تُقرأ الوعود بـ «المعكوس»!

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 09:14 م
منصور بلعيدي


في واحدة من أشد التصريحات إثارة للجدل، خرج علينا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بمقولة طالما كررها وتوقف عندها المتابعون للشأن المصري، حين أعلن بلهجة حاسمة: «لن يتولى حكم مصر بعدي أي مغرض أو مجرم أو خائن!».


قد يبدو التصريح للوهلة الأولى مجرد خطاب سياسي استهلاكي يُراد به دغدغة العواطف، لكن قراءة هادئة ومجردة للواقع المعاش تُفضي إلى نتيجة غريبة ومفارقة عجيبة:

لقد صدق الرجل، وإن كان يحسب أنه يمتدح عهده.!!


تكمن المفارقة في أن المتابعين للمشهد المصري يرون أن "السيسي" قد رفع سقف الإضرار بمقومات الدولة إلى مستويات قياسية، واختزل في حقبته صفات ثلاثاً جعلت من الصعب – بل من المستحيل – على أي حاكم يأتي بعده أن ينافسه في حجم الآثار الناجمة عنها:

1. ملف السيادة وتراجعات الجغرافيا

شهدت الحقبة الحالية تحولات غير مسبوقة في ملف السيادة الوطنية، تمثلت في التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافر"، وما تبع ذلك من تحولات جيوسياسية أثرت على الموقف المصري في البحر الأحمر، فضلاً عن الفشل الملموس في إدارة ملف سد النهضة الإثيوبي والتفريط المتواصل في حقوق مصر التاريخية في مياه النيل، وهو الملف الذي طالما شكّل خطاً أحمر للأمن القومي على مر العصور.

2. الارتهان الإقليمي وتراجع الدور التاريخي

لقد تراجع الدور الإقليمي المحوري لمصر بصورة غير مسبوقة، حتى أضحت القرارات الوطنية العريقة رهينة لتوجهات وتجاذبات دول إقليمية وأخرى خليجية كانت حتى وقت قريب تدور في فلك الدور المصري الرائد.


وبدلاً من أن تكون القاهرة صانعة السياسات، أصبحت تحركاتها محكومة بالمساعدات والاشتراطات الاقتصادية الخارجية.

3. الأزمة الاقتصادية والقبضة الأمنية

على الصعيد الداخلي، تفاقمت الأزمة الاقتصادية لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من الاقتراض الخارجي والديون المتراكمة التي أثقلت كاهل الأجيال القادمة، يرافقها تجريف شامل للحياة السياسية، وإيداع آلاف المعارضين والمفكرين في السجون، وتهميش تام لكل صوت ينادي بالإصلاح أو التغيير.


خلاصة القول.

حين يتعهد الرئيس بأنه لن يأتي بعده "مغرض أو مجرم أو خائن"، فهو يضع حداً قياسياً لن يستطيع أي خلفٍ الوصول إليه أو مجاراته في الإضرار بمكانة مصر وتاريخها واقتصادها.


إن التركة التي ستتخلف عن هذه المرحلة من الانحدار والتراجع على كافة الأصعدة تنبئ بأن مقولة السيسي – وإن أُريد بها التهويل أو الادعاء – قد جاءت، من حيث لا يدري، توصيفاً واقعياً لمرحلة قادها تجاوزت كل الحدود.!!