آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:34م

في الحروب… اللصوص بخير ، الا الشعب

الخميس - 22 أكتوبر 2026 - الساعة 07:19 م
صلاح البندق


في بلادنا، يبدو أن الجميع بخير، إلا الشعب! فبين شهيدٍ غيّبته الحرب، وفقيدٍ ترك خلفه وجعاً لا ينتهي، ومسجونٍ ينتظر حريته، ونازحٍ يبحث عن مأوى، وجائعٍ يطارد لقمة العيش، وموظفٍ ينتظر راتباً تأخر حتى شاخ الانتظار، تتسع الهوة بين سلطةٍ تعيش خارج الوطن، وشعبٍ يواجه داخله أزماتٍ لا تنتهي.



أما رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، فبعيدة عن أرض المعاناة، والحكومة تتنقل بين الفنادق، حيث الاجتماعات والبيانات والتصريحات، فيما المواطن يتنقل بين أبواب المسؤولين، وطوابير الغاز، ومصادر الدَّين، وأوهام الفرج القريب.



يا لها من دولةٍ عجيبة؛ حكامها خارج الوطن، وأزماتها تقيم مع الشعب إقامةً دائمة!



في فنادق الرياض، قد تُناقَش الملفات، وتُرسَم الخطط، وتُلتقَط الصور، وتُوزَّع الوعود. أما في عدن وأبين ولحج وسائر المناطق المنكوبة، فهناك ملفاتٌ من نوع آخر: راتبٌ مفقود، وكهرباءٌ غائبة، وأسعارٌ تلتهم ما تبقى من دخل المواطن، وأسرٌ تعجز عن توفير احتياجاتها الأساسية.



هنا، لا يحتاج المواطن إلى بيانٍ سياسي جديد، بل إلى راتبٍ يصل في موعده، وكهرباءٍ لا تتحول إلى ضيفٍ عابر، وخدماتٍ تحفظ كرامته، ومسؤولٍ ينزل من برج التصريحات ليرى كيف يعيش الناس.



المشكلة ليست في وجود المسؤول خارج البلاد بحد ذاته، فالسفر قد تفرضه ظروفٌ سياسية أو أمنية، وإنما في أن يتحول البُعد عن الوطن إلى عنوانٍ للعجز عن إدارة شؤونه، وأن تتكرر الوعود بينما تتفاقم معاناة المواطنين، من دون نتائج ملموسة أو محاسبةٍ واضحة.



فما قيمة المنصب إذا لم ينعكس على حياة الناس؟ وما جدوى الاجتماعات إذا بقيت نتائجها حبيسة الأوراق؟ وأيُّ شرعيةٍ تستطيع أن تستعيد ثقة المواطن، وهو يرى حقوقه تتآكل، ومعيشته تنهار، ومستقبله يصبح رهينةً للمجهول؟



إن أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس الفقر وحده، بل اعتياد الفقر، وليس الفساد وحده، بل أن يصبح الفساد أمراً مألوفاً، وأن يُطالَب الضحايا بالصبر، فيما لا يجدون من يجيب عن سؤالهم البسيط: أين تذهب حقوقنا، ومن المسؤول عن ضياعها؟



والأشد سخريةً أن المواطن بات يدير حياته بنظرية «البركة»: يستيقظ بلا ضمانٍ لراتبه، وينام بلا ضمانٍ للكهرباء، ويستدين ليطعم أطفاله، ثم يُطالَب بالتفاؤل والصبر وكأن الأزمة اختبارٌ أخلاقي للمواطن، لا إخفاقٌ سياسي وإداري يستوجب المساءلة.



حتى السخرية الشعبية أصبحت وسيلةً للتنفيس عن وجعٍ أكبر من قدرة الكلمات على وصفه؛ يضحك المواطن من واقعه المرير، لا لأنه سعيد، بل لأنه لو بكى على كل أزمةٍ لما جفّت دموعه.



ولكي نكون منصفين، فإن نقد السلطة لا يعني رفض الدولة، ومحاسبة المسؤول لا تعني استهداف منصبه، بل إن الدولة القوية هي التي تقبل النقد، وتكشف أوجه القصور، وتحاسب المقصرين، وتضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الحزبية والشخصية.



إن المسؤولية الوطنية لا تُقاس بعدد المؤتمرات، ولا بفخامة الفنادق، ولا بكثرة التصريحات، بل بما يلمسه المواطن في حياته. ومن حق الناس أن يعرفوا أين وصلت ملفات الرواتب والخدمات، وما الإجراءات المتخذة، ومتى ستظهر نتائجها، ومن يتحمل المسؤولية إذا استمر الفشل.



فالوطن ليس فندقاً، والشعب ليس غرفة انتظار، والراتب ليس منّةً من مسؤول، والحقوق لا تسقط بالتقادم ولا تُستبدل بالوعود.



لسنا بحاجةٍ إلى مسؤولين يجيدون شرح الأزمة بقدر حاجتنا إلى مسؤولين يعملون على إنهائها. ولسنا بحاجةٍ إلى خطاباتٍ تتحدث عن معاناة الشعب من بعيد، بل إلى قراراتٍ تخفف تلك المعاناة من قريب.



وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل صاحب سلطة: إذا كان المسؤول بخير، والحكومة بخير، والاجتماعات بخير، فلماذا لا يزال الشعب وحده يدفع ثمن كل شيء؟



إن الوطن لا يُدار بالبركة، ولا تُبنى الدول بالكبسة، ولا تُصان كرامة الشعوب من غرف الفنادق؛ بل بالمسؤولية والمحاسبة والعدالة، وبحكومةٍ تجعل المواطن أول أولوياتها، لا آخر بنود جدول أعمالها.