في وقتٍ يشتد فيه الحصار الجائر على مدينة تعز «الحالمة»، ويخيم الظلام على ليلها تحت مرأى ومسمع من القريب والغريب، تتكشف واحدة من أشد صور المأساة الإنسانية إيلاماً.
تخاذلٌ واضح لا تخطئه العين، وصمتٌ يطبق على العقول والقلوب، بينما ترابط تعز الصابرة بثبات أسطوري، متسلحة بإيمانها المطلق بأن الله مع المظلومين، وأن النصر حليف من استُضعفوا وأُخرِجوا من ديارهم بغير حق.
يقف أهالي تعز اليوم في مواجهة صريحة مع طغيان جماعة الحوثي، القادمة من كهوف مران بحقدٍ لا يرحم؛ جماعة لا تفرق بين أرضٍ وإنسان، ولا تدع شجراً ولا حجراً إلا وطالته أيدي الدمار. أجسامٌ تشبه البشر، وقلوبٌ تحمل بين أضلاعها قسوة الوحوش.
غير أن التاريخ، بحتميته العادلة، يُذكرنا دوماً بأن دولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة، وأن الظلمة مهما طغوا وتجبروا، فإن يوم الحساب قادم لا محالة، حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم ولا يجدون مفرّاً من مصيرهم المحتوم.
*صمود يتحدى البطش.*
لن تكون تعز الصامدة لقمة سائغة لشذاذ الأرض. سيبقى أهلها يذودون عن أرضهم وعرضهم بكل ما أوتوا من قوة واستبسال، كاتبين بدمائهم وأرواحهم صفحات من الشرف والدفاع عن الدين والوطن. وبإذن الله، سيكتب الله لهم نصرًا عزيزًا متى ما رأى صدق عزائمهم وإخلاص نيّاتهم في مواجهة البغي.
«مصائب قوم عند قوم فوائد».. الحقيقة المرة!
وعوداً إلى واقع الأزمات التي تخنق المحافظات المجاورة؛ فبعد أشهر طويلة من المعاناة وانعدام مادة الغاز المنزلي في كل من عدن وأبين ولحج، انفرجت الأزمة فجأةً وبات الغاز متوفراً في الأسواق! وعند البحث عن أسباب هذا التدفق المفاجئ، تأتي المفاجأة الصادمة: إنها مخصصات مدينة تعز المحاصرة.!
لقد مُنعت شحنات الغاز من الدخول إلى تعز لتضييق الخناق عليها، وتم تحويل مسارها وتوزيعها على المحافظات المجاورة.
وهكذا، يتجلى المثل القائل «مصائب قوم عند قوم فوائد» في أبهى وأقسى صوره؛ فرجٌ يولد من رحم حرمان أشقاء محاصرين، وطاقة تُضاء بها بيوت على حساب عتمة بيوت أخرى.!
أيُّ ظلمٍ هذا الذي يمارس بحق تعز وأهلها؟
وأين ضمير هذا العالم والإنسانية مما يجري لهذه المدينة الأبية؟
لكن مهما استطال الليل وازور جانبه وكبُرت المأساة، ستبقى تعز عصية على الانكسار، ولن تزيدها الأزمات إلا ثباتاً.
اللهم عجل بنصرٍ مؤزر لأهلنا في تعز، ولكل مظلومٍ ومقهور على هذه الأرض.