آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-01:30م

بين نصّ الحديث ومقاصد الآيات: رفع الإشكال عن قتال المسلمين.

الثلاثاء - 20 أكتوبر 2026 - الساعة 11:11 ص
منصور بلعيدي


تثار من حين إلى آخر تساؤلات حول مدى انسجام بعض الأحاديث النبوية الصحيحة مع ما ورد في القرآن الكريم.

ومن هذه المسائل التساؤل عن وجود تعارض ظاهري بين حديث النبي ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، وبين آيات سورة النساء وسورة الحجرات التي تتحدث عن وقوع القتال بين المؤمنين وتضع له أحكاماً شرعية ودية.

ولفكّ هذا الإشكال، يلزمنا فهم مناط الحديث وسياق الآيات؛ فليس كل تعارض ظاهري بين النصين يعبر عن تناقض حقيقي، بل مردّه في الغالب إلى إغفال التمييز بين الأسباب والمقاصد.

أولاً: فهم سياق الحديث الشريف

الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار» (فقيل: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصاً على قتل صاحبه»)، يحدد معيار الإدانة بحالة خاصة جداً، وهي: اقتتال العصبيات، والفتن، وابتغاء الدنيا، والحمية الجاهلية.


* المقصد منه: تحريم القتال الذي يخلو من الحق، حيث يسعى كل طرف لإبادة صاحبه هوىً أو عصبية أو طلباً للسلطة والمال.

* سبب الدخول في النار: ليس مجرد وقوع القتل، بل "الحرص والإصرار" على سفك الدم الحرام بغير وجه حق.

ثانياً: دلالة الآيات القرآنية

عند التدبر في الآيات التي وردت في النص:

* قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً... [النساء: 92]

* هذه الآية لا تجيز القتال مطلقاً، بل تؤكد على القاعدة الأصلية: تحريم قتل المؤمن (وَمَا كَانَ صيغة امتناع وتحريم جازم).

* أمّا استثناء "الخطأ"، فهو بيان للواقع الإنساني الذي يحدث فيه السهو أو وقوع القتل بغير قصد (كأن يرمي صيداً فيصيب إنساناً)، وفرضت الآية الدية والكفارة لجبر هذا الخلل وليس لتشريع القتل.

* قوله تعالى: وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ... [الحجرات: 9]

* الآية هنا تصف واقعاً مقدوراً وقوعه بسبب الشبهات أو البغي، وليست تشريعاً لإباحة القتال بلا سبب.

* فرّقت الآية بين طائفتين: طائفة باغية (ظالمة)، وطائفة يُقتتل معها لإعادة الحق أو ردّ العدوان.

* قتال الباغي ليس اقتتالاً من أجل الدنيا، بل هو جهاد لدفع الظلم وإصلاح ذات بين المؤمنين، وشتان بين من يقاتل ليرد العدوان وبين من يقتتل هوى وعصبية.


الخلاصة: لا يوجد أي تعارض بين النصين؛ فالحديث الشريف يغلق باب فتن الهوى والعصبية التي يحرص فيها الطرفان على القتل بغير حق، بينما القرآن الكريم يضع قواعد التعامل الميداني والشرعي إذا وقع الخلاف أو السهو أو البغي بين فئات المسلمين لتدارك الفتنة وإقامة العدل......