أصبحنا نعيش في زمن نرى فيه حياة الآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ سفر ونجاح وصور مليئة بالسعادة. نتابع هذه المشاهد حتى يُخيَّل إلينا أن الجميع يعيش حياة جميلة، وأن المشكلات لا تعرف طريقها إلا إلينا! لكن هل ما نراه هو الواقع فعلًا، أم أننا نرى ما يريد الآخرون لنا أن نراه؟
لا شك أن مواقع التواصل قرّبت المسافات، وفتحت أبوابًا للمعرفة وتبادل الخبرات، وأتاحت لنا مشاركة لحظاتنا الجميلة وإنجازاتنا. كما أصبحت مصدرًا للرزق وخلق فرص العمل، ومنصةً لأصحاب المواهب والأفكار للوصول إلى جمهور واسع. وهذا جانب إيجابي لا يمكن إنكاره.
لكن المشكلة تبدأ عندما نعتقد أن ما نراه هو الصورة الكاملة للحياة. فالبعض يعرض أجمل لحظاته ويُخفي ما عداها، فنقارن حياتنا بحياته، وننسى أن لكل إنسان ظروفه وتحدياته. فليس كل من يبتسم سعيدًا، ولا كل من يظهر بمظهر الغني مرتاح البال، ولا كل من يتحدث عن النجاح يكشف عن الثمن الذي دفعه للوصول إليه.
ومن جهة أخرى، أصبح جذب المتابعين وتحقيق الأرباح هدفًا لدى بعض الحسابات، حتى صار التهويل والتهريج وإثارة الجدل وسائل لاستقطاب المشاهدات. وقد تُنشر معلومات ناقصة أو مضللة لتحقيق الانتشار أو توجيه الناس نحو فكرة معينة. وهنا تختلط الحقيقة بالمبالغة، ويصعب على المتابع التمييز بين ما حدث فعلًا وما أُريد له أن يصدقه.
وفي المقابل، تعكس مواقع التواصل أيضًا صورًا من المعاناة والفقر، إلى جانب حالات التسول الإلكتروني؛ فبعضها يعبر عن حاجة حقيقية تستحق المساعدة، وبعضها الآخر يستغل عواطف الناس وكرمهم لأغراض احتيالية. وهنا تبرز أهمية التحقق قبل التعاطف أو التبرع، حتى لا تتحول إنسانيتنا إلى وسيلة يستغلها المحتالون.
وتزداد خطورة الأمر في أوقات الحروب والصراعات، كما هو الحال في بلادنا اليمن؛ فقد تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى أداة للتضليل، وقد يؤدي نشر بعض التفاصيل دون تقدير لعواقبها إلى الإضرار بأشخاص أو مصالح عامة. لذلك، لا تقتصر المسؤولية على ما ننشره، بل تشمل أيضًا التحقق من مصادر المعلومات، واختيار توقيت النشر، وتقدير النتائج المحتملة لتداولها.
في النهاية، مواقع التواصل نافذة على العالم، لكنها ليست العالم كله. فما نراه قد يكون حقيقة، أو جزءًا منها، أو صورة صُنعت بعناية لتُظهر جانبًا وتُخفي آخر. لذلك، علينا الاستفادة منها دون أن نسمح لها بالتحكم في نظرتنا إلى الحياة أو أحكامنا على الآخرين.
فالواقع ليس كما في المواقع؛ فليس كل ما ينتشر حقيقة، ولا يعني غياب الشيء عن الشاشة غيابه عن الواقع. فلنأخذ من هذه المواقع ما ينفعنا، ونترك ما يضللنا، ونتذكر أن ما نكتبه أو ننشره قد يبدو مجرد كلمات، لكنه قد يصنع فرقًا كبيرًا في حياة الآخرين.