آخر تحديث :الأحد-01 نوفمبر 2026-10:12م

في حضرة مقديشو... كبرياءُ العاصمة العصية ومرارة الفراق

الإثنين - 19 أكتوبر 2026 - الساعة 03:14 م
محمد المسبحي


من يزور مقديشو يدرك أنها ليست بحاجة إلى صكّ اعترافٍ يُمنح من عواصم العالم الحديث، ولا إلى شهادة جدارة تُكتب بأقلام الغرباء فتاريخ هذه المدينة العريقة، المحفور في صدر الساحل الأفريقي يتحدث عن نفسه بلغة أبلغ من قرار سياسي عابر أو خطاب استعراضي. إنها درة المحيط الهندي التي اختزنت في ذاكرتها حكايات الممالك الإسلامية الصامدة، واستعصت عبر القرون على كل محاولات المحو والتهميش، لتبقى شواهدها الحضارية حية تشهد على أصالة أمة وعمق جذورها.


كنت أتمنى لو أن زيارتي لهذه الحاضرة العريقة جاءت في ظروف أخرى، غير هذه الزيارة المليئة بالأوجاع والمكلومة بفراق أخي الذي ارتبطت روحه بهذا المكان. طال بي التأجيل اشهر طويلة، كنت أؤجل فيها موعد لقائي بها إشفاقا على روحي من هول ما سأراه من جمال تلك الدرة التي يحتضنها المحيط الهندي ويطوقها، فيزيدها بأمواجه وزرقته عزة وشموخًا.


وأخيرا دخلتها، حيث استقبلتني مقديشو بكل حفاوة وترحاب، ابتداءً من البوابة الأولى لمطارها الدولي، وصولا إلى لقاء الأصدقاء والأصحاب الذين غمروني بدفئ مشاعرهم. كم أنتي صامدة ومدهشة، يا درة القرن الأفريقي! لقد وجدت فيكِ بساطة طبع تنبض بالصفاء، وبشاشة وجه لا تنكسر رغم قسوة السنين وكرم ضيافة يذكّر بمناقب الكرم الأصيل الذي لا يتكلفه أصحابه.


وفي مجالس الأصدقاء هناك، امتد الحديث ليتلامس مع جوهر الروح الصومالية ومكانة اللغة العربية فيها.


لقد كان لافتا ومؤثرا أن ترى الصومال وهي تنهض من جديد، وتتسابق نحو البناء والعمران بسواعد أبنائها، في مشهد يبعث على الفخر ويؤكد أن الشعوب التي تتمسك بهويتها وتعتز بجذورها قادرة على تجاوز المحن، مهما طال أمدها.


ولا أخفيكم سرا أنني فرحت بما رأيته في هذا البلد الشقيق؛ فكل محاولات طمس هويته وقطع صلته بدينه ولغته عبر العقود لم تنجح في اقتلاع ما ترسخ في وجدان شعبه.


ومقديشو اليوم، كما كانت بالأمس، شواهد حية على بقاء أمة ترفض الانكسار، وتبقى رايتها خفاقة رغم عواصف الزمان ومحن الأيام.


ويصعب عليّ أن أودعها، وأنا أحمل في داخلي غصّة فراق لا تداويها المسافات، وأترك خلفي قلبا أَلِفَ هذه المدينة حتى غدت جزءا من ذاكرته ووجدانه. هنا اكتشفت وجها آخر لمقديشو، وجها لا تشبهه الصور النمطية ولا تنصفه الحكايات البعيدة؛ مدينة تختصر في بساطة أهلها معنى الأصالة، وفي ابتساماتهم دفئ الحياة، وفي كرمهم نبلا لا يحتاج إلى كلمات.


لقد منحتني من الودّ ما يجعل الرحيل عنها أصعب، ومن الذكريات ما سيبقى حيا في القلب مهما امتدت المسافات. فهذه المدينة تتجاوز كونها أثرا مطويا في أدراج السالفين، لتكون كيانا حيا يفرض سطوته، وشاهدَ عدلٍ يكتب تاريخه بسواعد أهله قبل أقلام الغرباء، وحاضرةً تفرض احترامها على التاريخ والسياسة معا؛ أمة أثبتت لأطماع المستعمرين وغطرسة القوى أن العظمة تُبنى بعرق الصمود، وأصالة الهوية، وكرامة شعب يقف شامخا بين البحر والصحراء، لا ينحني أبدا.


إنها الصومال، الشامخة كجبالها، العميقة كبحرها، التي تظل، رغم تقلبات التاريخ والسياسة، سيدة القرن الأفريقي وتاجه الأصيل الذي لا يطاله الهوان.