لم تستقر مشاعري بعد، ولم تهدأ عاصفة الحزن التي اجتاحت قلبي من هول الفاجعة التي مُنيت بها شبوة، إثر الاستهداف الحوثي لمعسكر التدريب الجديد في تخوم الصحراء المحاذية لمدينة عتق، في مشهدٍ موجعٍ أعاد إلى الذاكرة أوجاعًا كثيرة، وفتح في القلب جرحًا لا تكفي الكلمات لوصف عمقه، ولا الدموع لغسل مرارته.
ما أقسى أن يستيقظ الوطن على نبأ الدم، وأن تتحول لحظات التدريب والاستعداد إلى مشهدٍ للفقد والوجع، وأن تنتظر الأمهات والآباء والأسر أخبار أبنائهم بقلوبٍ معلّقة بين الرجاء والخوف، فيما ترتفع أكفّ الضراعة إلى الله أن يردّ الغائبين سالمين، وأن يكتب للجرحى الشفاء، وأن يرحم من قضوا وهم يؤدون واجبهم.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تتضح الحصيلة النهائية للشهداء والجرحى، لكن وراء كل اسمٍ قد يُعلن حكايةَ أمٍّ سهرت، وأبٍ انتظر، وزوجةٍ علّقت أحلامها على عودة زوجها، وطفلٍ لا يدرك لماذا طال غياب أبيه. وراء كل شهيدٍ بيتٌ سيظل يتلفت نحو الباب، وقلبٌ سيبقى يفتقد صوتًا كان يملأ المكان حياةً وطمأنينة.
يا الله، كم هو موجعٌ أن تُختصر أحلام الشباب في لحظة، وأن تُنتزع من البيوت ضحكاتٌ كانت تملؤها، وأن يُترك للأمهات أن يتعلمن قسوة الانتظار، وللآباء أن يخفوا انكسارهم خلف صبرٍ لا يراه أحد. اللهم ارحم شهداءنا، واشفِ جرحانا، واربط على قلوب ذويهم، وأنزل عليهم من السكينة ما يعينهم على احتمال هذا المصاب العظيم.
لكن شبوة، وهي تنزف اليوم وجعًا، لم تقف عند حدود البكاء، ولم تترك أبناءها وحدهم في مواجهة الألم. لقد خرجت من قلب الفاجعة صورةٌ أخرى لا تقل عظمةً عن كل مشاهد التضحية: صورة الناس وهم يتسابقون إلى التبرع بالدم، ويتوافدون إلى مراكز التبرع، يحملون في عروقهم رسالة حياة، ويقدمون للمصابين ما قد يكون سببًا في إنقاذ روحٍ وإعادة الأمل إلى أسرةٍ كاملة.
شكرًا يا شبوة.. شكرًا لكل قلبٍ استجاب، ولكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل إنسانٍ ترك شأنه وأسرع لنجدة الجرحى.
شكرًا لأولئك الذين لم يسألوا عن اسم المصاب ولا منطقته ولا انتمائه، بل سألوا عن حاجته إلى الدم، وعن سريره في المستشفى، وعن فرصةٍ أخرى تمنحه إياها الحياة. شكرًا لمن أدركوا أن الدم الذي يجري في عروق أبناء شبوة ليس مجرد دماء، بل رابطة أخوةٍ ومصير، وأن المصاب حين يقع على واحدٍ منا، فإن ألمه يمتد إلى الجميع.
يا أبناء شبوة، لقد قلتم بتضامنكم ما تعجز الخطب عن قوله، وأثبتّم أن المجتمع الذي يتقاسم أوجاعه لا يمكن أن تهزمه الفواجع، وأن المحن، مهما اشتدت، تكشف معادن الرجال ونبل النفوس. حين احتاج الجريح إلى قطرة دم، لم تكن شبوة بحاجة إلى دعوةٍ طويلة كي تتحرك؛ كانت إنسانيتها حاضرة، وكانت نخوتها أسرع من الكلمات، وكان أبناؤها يجيبون نداء الواجب بأجسادهم وقلوبهم.
ولعل في هذا المشهد ما يخفف بعضًا من قسوة المصاب؛ أن نرى الحياة تقاوم الموت، وأن نشاهد الأمل ينهض من بين الركام النفسي للحظة الفاجعة، وأن نلمح في وجوه المتبرعين معنى الوطن الذي لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه المواقف الصادقة حين تضيق الأرض بأهلها.
إن الحزن اليوم أكبر من أن يُخفى، والوجع أعمق من أن تتجاوزه الكلمات سريعًا، لكن الوفاء للشهداء لا يكون بالبكاء وحده؛ بل برعاية الجرحى، والوقوف إلى جانب أسر الضحايا، وتقديم الدعم لمن فقدوا أحباءهم، والتمسك بقيمة الإنسان وحقه في الحياة والأمان. كما أن مسؤولية حماية المعسكرات ومراجعة الإجراءات الأمنية تظل واجبًا لا يجوز أن يطويه غبار الفاجعة أو يبدده ضجيج الأحداث.
إن شبوة التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها تستحق أن تنعم بالأمن والاستقرار، وأن تحظى أسر شهدائها بالرعاية اللائقة، وأن يجد جرحاها كل ما يحتاجون إليه من علاجٍ واهتمام. ويستحق أبناؤها الذين تسابقوا للتبرع بالدم أن يُقابل موقفهم النبيل بجهودٍ عملية تحمي الأرواح وتخفف آلام المصابين.
إلى أسر الشهداء: لا توجد كلمات تعوّض غياب أحبتكم، ولا عزاء يمحو وجع الفقد، لكن أبناء شبوة يقفون معكم، وقلوبهم تحمل من الحزن ما تحملون. وإلى الجرحى: أنتم في دعاء الناس وقلوبهم، ونسأل الله أن يمنّ عليكم بالشفاء العاجل، وأن تعودوا إلى أهلكم سالمين معافين.
وإلى شبوة كلها، أرضًا وإنسانًا: تمهّلي على قلبك المثقل بالأوجاع، فليس مطلوبًا منك أن تنسي سريعًا، ولا أن تتظاهري بالقوة فيما جراحك تنزف. ابكي شهداءك، واحتضني جرحاك، وكوني سندًا لأمهاتٍ أثقل الانتظار قلوبهن، ثم انهضي بما عُرف عن أبنائك من تماسكٍ وتكافلٍ وإصرارٍ على الحياة.
سلامٌ على أرواح الشهداء، وسلامٌ على الجباه التي تعفّرت في ميادين الواجب، وسلامٌ على الأيدي التي امتدت بالدم لإنقاذ الجرحى، وسلامٌ على شبوة حين تحزن كقلبٍ واحد، وحين تتضامن كأن أبناءها جميعًا أسرةٌ واحدة.
اللهم ارحم شهداء شبوة والوطن اليمني الكبير، واشفِ جرحاها، واحفظ أهلها، واجبر كسر أسرها، واجعل ما أصابها آخر الأحزان، واكتب لها أيامًا يسودها الأمن والسكينة، ولا ترى فيها أمٌّ دمعة فقد، ولا أسرةٌ مرارة انتظار، ولا جريحٌ ألمًا إلا جعلت له من رحمتك فرجًا وشفاءً