تتزاحم الأسئلة وتتداخل الخطوط في المشهد اليمني المعقد، وسط تصاعد غير مسبوق في حدة التساؤلات داخل الأوساط السياسية والشعبية حول طبيعة الأدوار التي تلعبها بعض الأطراف الإقليمية المجاورة تجاه الملف الحوثي.
وفي وقت تبحث فيه اليمن عن طوق نجاة يعيد لها استقرارها وشرعيتها، تبرز مؤشرات دولية ورسمية بالغة الخطورة، تضع حلفاء الأمس واليوم تحت مجهر المساءلة، وتضع العاصمة السعودية "الرياض" أمام اختبار حقيقي لصبرها الاستراتيجي.
لا يمكن قراءة التطورات الأخيرة بمعزل عن سياق متصل من الشواهد التي تقاطع تقارير الاستخبارات الدولية مع التصريحات الرسمية، وتتلخص في ثلاث إشارات لافتة:
*تصريحات التحالف العربي:* جاءت لتؤكد حقيقة باتت تؤرق الأمن القومي العربي، مفادها حصول الميليشيات الحوثية على قدرات نوعية ومتطورة، شملت صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة بتقنيات معقدة، في إشارة واضحة وصريحة إلى مساندة "أطراف إقليمية" سهلت وصول هذه الترسانة.
*البيان الأمريكي الحاسم:*
في منتصف يناير 2026، وجهت الخارجية الأمريكية ضربة قوية لشبكات التمويل الحوثية، متطعةً الشك باليقين. فقد كشف بيان رسمي صادر عن مكتب المتحدث الرسمي عن استهداف شبكات تمويل وتهريب مرتبطة بإيران، مشيراً بالأصبع إلى شركات وهمية ووسطاء يتخذون من سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة مقرات لتمرير الأموال والصفقات التي تزعزع الاستقرار في البحر الأحمر وتدعم آلة الحرب الحوثية.
*التصعيد الخطير في عدن:* تزامن هذا المخاض مع تقارير إعلامية دولية وإقليمية عن استهداف الحوثيين لمقر عمليات حربية في القصر الرئاسي بالعاصمة المؤقتة عدن، في رسالة عدوانية صارخة تطال قلب الشرعية وتكشف تنسيقاً أو تغاضياً عملياً عن تقويض ما تبقى من مؤسسات الدولة.
في الشارع اليمني، تتبلور قناعة راسخة لا تقبل الشك؛ فحاصل جمع استمرار تدفق السلاح والدعم اللوجستري عبر البر والبحر والجو، واحتضان المنصات الإعلامية والسياسية المناهضة للشرعية ولمجلس التعاون الخليجي، لم يعد أمراً يمكن السكوت عليه أو تمريره تحت غطاء الدبلوماسية الهادئة.
وتشير التقديرات الغربية المتواترة إلى أن الحصة الأكبر من خطوط الإمداد والدعم الإيراني تجد في الجغرافيا المجاورة ممرات آمنة، مما يعمق جراح اليمنيين ويطيل أمد معاناتهم الإنسانية والسياسية.
هل حان وقت الحزم الحقيقي؟
تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم أمام محك استراتيجي مصيري.
فالرياض، التي قادت التحالف العربي دفاعاً عن الأمن القومي العربي والشرعية اليمنية، تواجه تحدياً مباشراً تتمثل في تقويض جهود التهدئة من قبل أطراف إقليمية يفترض أن تكون شريكة في الاستقرار لا معول هدم.
إن استمرار هذا الوضع الشاذ يفرض على صناع القرار في الرياض إعادة ضبط بوصلة التحالفات بحزم، ووضع حد لهذا العبث الإقليمي الذي يهدد استقرار الجزيرة العربية بأسرها. فالصبر الإستراتيجي ليس صمتاً أبدياً، والشارع اليمني ينتظر بشغف وبصيص أمل خطوة حاسمة تعيد للأمور نصابها، وتوقف النزيف المستمر بفعل سياسات الجار القريب الذي اختار الوقوف في الخندق الخطأ من تاريخ المنطقة.