آخر تحديث :الإثنين-19 أكتوبر 2026-01:05ص

بين وجع القلم وراحة السلاح: معادلة اليمن المقلوبة"

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 11:47 م
محمد ناجي


في المجتمعات المعتدلة، يُقاس رقيّ الأوطان بمدى تسلح أبنائها بالعلم والمعرفة، وتُبنى النهضات على أكتاف المفكرين، والكتاب، والمعلمين، والأطباء. لكن في بلدنا الحبيب اليمن، انقلبت الآية بشكل يدعو للأسى، وتجسد واقعنا المرير في مقولة رددها الكثيرون بمرارة: "من حمل القلم عاش بألم، ومن حمل السلاح عاش مرتاح". إن هذه العبارة لم تأتِ من فراغ، بل هي تشخيص دقيق لوضع كارثي يعصف بالبنية المجتمعية والقيم الإنسانية في بلادنا.


حين تتأمل حال حاملي الأقلام في اليمن—من معلمين أفنوا أعمارهم في تربية الأجيال دون رواتب منتظمة، وأكاديميين جامعيين باتوا يعجزون عن توفير لقمة العيش الكريمة، وكتاب وصحفيين يدفعون ثمن كلمتهم الحرة تضييقاً وتهميشاً—تدرك عمق "الألم" الذي يعيشه عقل هذا الوطن. لقد تحول العلم في بلدنا إلى عبء يثقل كاهل صاحبه، وبات السعي وراء المعرفة بواباً للشقاء الاقتصادي والاجتماعي.


وفي المقابل، نرى مشهداً يدمي القلوب؛ حيث تصدر المشهد من يملك القوة المادية والقدرة على حمل السلاح. في غياب مؤسسات الدولة القوية وسيادة القانون، صار السلاح هو جواز المرور نحو الوجاهة، ومصدر الدخل السريع، والسبيل لنيل الحظوة والنفوذ. من يحمل البندقية يجد الأبواب مشرعة أمامه، بينما من يحمل الكتاب يقف طويلاً على عتبات التهميش والنسيان.


إن خطورة هذا الوضع المتأزم لا تقتصر على المعاناة اليومية لأصحاب الفكر، بل تمتد لتضرب مستقبل اليمن في مقتل. عندما يرى الطفل والشاب الصغير أن الأستاذ يعيش في فقر مدقع بينما حامل السلاح يرفل في الرغد والراحة، فإننا نرسخ في وعي الجيل الصاعد رسالة مدمرة: أن الجهل والقوة هما الخيار الأضمن للعيش، وأن العلم والتعليم درب محفوف بالمخاطر والفاقة. هذا الفرز الطبقي والمجتمعي يسلب من اليمن مستقبله ويحرمه من عقوله المبدعة التي هاجر الكثير منها أو انزوى في ركن الإحباط.


إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة لتصحيح المفاهيم ورد الاعتبار لمكانة العلم والعلماء. لا يمكن لبلد أن ينهض من كبوته أو يتجاوز أزماته وجراحه ما لم يُعد القلم إلى مكانته الرفيعة كقائد للمجتمع، وما لم تتوقف الامتيازات التي تُمنح لغة العنف على حساب لغة البناء.


إن صرخة الألم التي يطلقها المثقف والتربوي اليمني اليوم هي ناقوس خطر يحذرنا جميعاً. وإعادة الاعتبار للقلم وتأمين العيش الكريم لحامله ليست ترفاً، بل هي خط الدفاع الأول لاستعادة روح اليمن، وبناء مجتمع مستقر يدرك أن بناء العقول بالدواة والقلم هو الطريق الوحيد لراحة الأوطان، وأن الاستقرار القائم على فوهات البنادق هو استقرار مؤقت ووهمي لا يصنع دُولاً ولا يحمي شعوباً.