اليمن ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية ولا يجوز أن يظل رهينة تعدد مراكز القوة والسلاح فهو دولة ذات سيادة وشعب له الحق في الأمن والاستقرار ومؤسسات شرعية ينبغي أن تستعيد سلطتها على كامل أراضيه
ومن هذا المنطلق فإن جوهر الأزمة اليمنية لا يكمن فقط في تصاعد المواجهة العسكرية بل في استمرار اختلال معادلة الدولة بما يتيح تحويل الأراضي اليمنية إلى مصدر تهديد للأمن الوطني والإقليمي
وفي تقديري فإن أي مقاربة جادة لإنهاء الصراع يجب أن تنطلق من مبدأ واضح لا يحتمل الالتباس حماية اليمن تبدأ باستعادة دولته وحماية جيرانه ترتبط بإنهاء مصادر التهديد المنطلقة من أراضيه والسلام المستدام لا يتحقق بتكريس موازين القوة القائمة بل بإعادة الاعتبار للسيادة والمؤسسات والقانون
من هذه الزاوية ينبغي قراءة التصعيد الحوثي وتداعياته الإقليمية فاستمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة وما تثيره من مخاطر على أمن السعودية والملاحة الدولية يؤكد أن الأزمة لم تعد محصورة في صراع على السلطة داخل اليمن بل أصبحت مرتبطة بأمن المنطقة ومصالحها الحيوية
وكلما اتسع نطاق التهديد ازدادت دوافع الأطراف المتضررة إلى تنسيق مواقفها وتعزيز قدراتها الدفاعية
وفي نظري فإن التصعيد الذي يراد منه فرض معادلات سياسية جديدة قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تتمثل في توحيد المواقف المقابلة ورفع كلفة استمرار المواجهة من دون أن يضمن تحقيق مكاسب سياسية مستدامة
وفي هذا السياق تكتسب المواقف المصرية السعودية أهمية استراتيجية تتجاوز حدود التضامن الثنائي
فتأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استعداد مصر لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن أمن السعودية وسيادتها وإعلان مجلس الدفاع الوطني المصري تقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة يعكسان إدراكا لترابط الأمن بين البلدين ولصلة استقرار السعودية بالأمن القومي العربي وأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية
كما أن إشادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بالموقف المصري ووصفه القاهرة والرياض بأنهما جناحا الأمن القومي العربي تعكسان أهمية العمق الإقليمي في دعم الدولة اليمنية ومواجهة التهديدات المشتركة
لكن أهمية هذا التقارب لا تكمن في رمزيته السياسية وحدها بل في قدرته على إنتاج تنسيق عملي يخدم الاستقرار ويمنع اتساع الصراع
وفي اعتقادي فإن الاختبار الحقيقي للموقف العربي يتمثل في الانتقال من إعلان التضامن إلى بناء رؤية مشتركة تربط حماية السعودية ودول المنطقة بإنهاء أسباب التهديد داخل اليمن
فالدفاع عن أمن الجوار واستعادة الدولة اليمنية ليسا هدفين متعارضين بل إن كلا منهما يعزز الآخر لأن الدولة القادرة على بسط سلطتها تمثل الضمان الأهم لعدم استخدام أراضيها منصة للاعتداء على جيرانها
غير أن هذا الهدف يتطلب معالجة الاختلالات داخل المعسكر المناهض للحوثيين أيضا فتوحيد القرار السياسي والعسكري للحكومة الشرعية وتعزيز قدرات قواتها وتحديد أهداف ميدانية وسياسية واضحة شروط أساسية لتحويل الدعم الإقليمي إلى نتائج ملموسة
كما أن التنسيق السعودي الإماراتي يمكن أن يسهم في تحسين التوازن الميداني إذا اقترن بمعالجة الخلافات المتعلقة بمستقبل الجنوب وشكل الدولة
أما استمرار التباينات من دون تسوية فيمنح الخصوم فرضا لاستثمار الانقسامات ويحد من فاعلية الإمكانات المتاحة
ومن هنا ينبغي التمييز بين الردع والحرب المفتوحة فالردع المطلوب ليس تصعيدا بلا سقف ولا توسيعا للمواجهة لمجرد استعراض القوة بل بناء قدرة موثوقة على حماية الحدود والمنشآت الحيوية والملاحة الدولية وتقليص قدرة الحوثيين على تكرار الاعتداءات
ويتطلب ذلك توازنا بين الإجراءات الدفاعية والضغط العسكري المنضبط والتحرك السياسي
فالعمليات العسكرية قد تغير موازين القوة لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج الاستقرار ما لم تفض إلى مسار يعيد مؤسسات الدولة ويضع السلاح والقرار العسكري ضمن إطار وطني موحد
وفي تقديري فإن الخطأ الأكبر هو التعامل مع التهدئة باعتبارها نهاية الصراع لا فرصة لمعالجة أسبابه
فقد يتراجع العنف مؤقتا لكن التهديد سيظل قائما إذا استمرت مراكز القوة المتنافسة خارج مؤسسات الدولة وظلت التسوية عاجزة عن توفير ضمانات أمنية وسياسية قابلة للتنفيذ
لذلك فإن السلام الجاد لا يقوم على تجميد موازين القوة القائمة أو منحها شرعية دائمة بل على تسوية تعالج جذور الأزمة وتحفظ حقوق اليمنيين وتصون سيادة البلاد وتضمن أمن جيرانها
الخلاصة أن المنطقة تتجه نحو اختبار حقيقي لقدرتها على بناء معادلة ردع تدعم السلام بدلا من أن تستبدل به مواجهة مفتوحة
وفي رأيي فإن نجاح هذه المعادلة مرهون بتكامل ثلاثة مسارات تنسيق إقليمي فاعل يحمي المصالح المشتركة وحكومة يمنية شرعية قادرة على توحيد القرار واستعادة المؤسسات وتسوية سياسية تجعل الدولة والقانون مرجعية وحيدة للسلطة والسلاح
فلا ردع مستداما من دون معالجة مصادر التهديد ولا استقرارا يمنيا مع استمرار ازدواج السلطة والسلاح ولا أمنا عربيا راسخا إذا بقيت الدولة اليمنية عاجزة عن بسط سيادتها
إن الطريق إلى السلام لا يبدأ بتكريس الأمر الواقع بل بتغييره نحو دولة يمنية موحدة وقادرة دولة تحمي شعبها وتحترم التزاماتها الإقليمية ولا تستخدم أراضيها للإضرار بجيرانها
وهذا في تقديري هو المعيار الذي ينبغي أن تقاس به جدية أي مبادرة وفاعلية أي تحالف وفرص نجاح أي تسوية مقبلة