ليست الأمة العربية اليوم أمام أزمة عابرة بل أمام لحظة مفصلية تفرض عليها تجاوز الحسابات الضيقة واستعادة روح التضامن والانتقال من الشعارات إلى الفعل فالأخطار التي تواجه المنطقة لم تعد تهدد حدود الدول فحسب بل باتت تستنزف مقدراتها وتهدد سيادتها وتضرب نسيجها الاجتماعي وتضع مستقبل أجيالها أمام تحديات مصيرية
وفي قلب هذه المعادلة تبرز المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية بوصفهما جناحين أساسيين للأمة العربية وشريكين محوريين في حماية أمنها واستقرارها فالتنسيق بين الرياض والقاهرة لم يعد مجرد خيار سياسي بل ضرورة استراتيجية تفرضها التطورات الإقليمية وتستدعي موقفا عربيا موحدا يتقدم فيه أمن الأمة على الحسابات الضيقة
إننا نتطلع إلى مصر بتاريخها العربي وثقلها الاستراتيجي وجيشها بألا تخذل آمال العرب في هذه اللحظة الفارقة وأن تواصل دورها في حماية الأمن القومي العربي وتعزيز الشراكة مع المملكة العربية السعودية وتحويل التضامن إلى موقف عملي يحمي الدول والشعوب فمصر ليست مجرد دولة تراقب ما يجري حولها بل ركيزة أساسية في أي مشروع عربي جاد لاستعادة التوازن وصون السيادة
غير أن الحديث عن الأمن القومي العربي لا يكتمل دون التوقف أمام الدور الإيراني في المنطقة وما ارتبط به من دعم قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة الوطنية فمن العراق إلى لبنان واليمن أسهم تمدد النفوذ الإيراني عبر حلفائه وأذرعه المسلحة في تعقيد الأزمات الداخلية وإضعاف سلطة المؤسسات الشرعية وتحويل بعض الدول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية
وفي اليمن تتجلى خطورة هذه المعادلة في ارتباط الحوثيين بإيران وما يحظون به من دعم عسكري وتقني وفي التداعيات التي طالت أمن اليمن ومحيطه العربي والملاحة الدولية وفي لبنان والعراق يظل تعدد مراكز القوة المسلحة وتداخل النفوذ الخارجي مع الانقسامات الداخلية من أبرز التحديات أمام استعادة الدولة لقرارها وسيادتها
إن الخطر لا يكمن في النفوذ السياسي وحده بل في تحويل السلاح والولاءات العابرة للحدود إلى أدوات تضغط على القرار الوطني وتضع مصالح الشعوب رهينة لصراعات أكبر منها وحين تتعرض الدول للتفكك فإن الخاسر الأول هو المواطن الذي يدفع ثمن الحرب من أمنه ومعيشته ومستقبل أبنائه
ونلاحظ هنا عندما شعرت إيران ان اذرعها في الزوال سارعت إلى التخلي عنهم ولا يمكن الجزم بالنوايا لكن المؤكد أن أي حديث عن التعاون لا بد أن يقاس بالأفعال لا بالتصريحات وحدها فإذا كانت طهران تريد بالفعل الانضمام إلى منظومة أمن إقليمي فإن الطريق يبدأ باحترام سيادة الدول العربية ووقف التدخلات التي تقوض مؤسساتها وعدم استخدام الفصائل المسلحة أوراقا للضغط والمساومة
ومن حق العرب أن يتساءلوا أيضا هل يمكن أن تتحول المليشيات التي استثمرت فيها إيران سنوات طويلة إلى أوراق قابلة للتضحية بها عندما تتغير حسابات المصالح إنه احتمال سياسي ينبغي أخذه في الاعتبار لا حقيقة مؤكدة لكنه يكشف ضرورة ألا تربط الدول العربية أمنها بوعود أي طرف وأن تبني قدرتها على حماية نفسها بإرادتها ومؤسساتها وتحالفاتها الواضحة
والمشروع العربي هو الحل للعرب فالأمن العربي لا يصان بالرهان على تغير حسابات الآخرين بل ببناء قوة عربية مشتركة تجعل سيادة الدول خطا أحمر لا يقبل المساومة
وتتجلى خطورة هذه المعادلة بوضوح في العلاقة بين باب المندب وقناة السويس فهما شريانان متكاملان في منظومة الأمن البحري والتجارة العالمية وأي اضطراب في الملاحة عند باب المندب والبحر الأحمر يمكن أن ينعكس على حركة السفن عبر قناة السويس ويصيب الاقتصاد المصري والعربي بأضرار جسيمة
والأرقام تكشف حجم الكلفة فقد أعلن الرئيس المصري في مايو 2026 أن مصر خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب اضطرابات الملاحة والهجمات على السفن في باب المندب المرتبطة بأزمة البحر الأحمر
عشرة مليارات دولار ليست رقما عابرا إنها خسارة اقتصادية ثقيلة تمس موارد الدولة المصرية وقدرتها على تمويل احتياجاتها التنموية وتؤكد أن الصراعات التي تشعل في جنوب البحر الأحمر لا تبقى محصورة في جغرافيتها بل تمتد آثارها إلى القاهرة والرياض وسائر العواصم التي ترتبط مصالحها بأمن الممرات الدولية
باب المندب وقناة السويس توأمان في معادلة الأمن القومي العربي تهديد الأول قد يستنزف الثاني واستقرار البحر الأحمر مصلحة عربية مشتركة لا تحتمل التجاهل
ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك وتطويرها إلى آليات عملية للتنسيق السياسي والأمني والدفاعي وتبادل المعلومات وحماية الممرات الحيوية ومواجهة التهديدات العابرة للحدود كما تبرز أهمية بناء شراكة استراتيجية فاعلة بين السعودية ومصر تتسع لتشمل الدول العربية المعنية وتستند إلى احترام السيادة الوطنية والدبلوماسية والردع المسؤول وعندما يتحد الموقف العربي الجميع سيحاسب الف حساب مهما كان
إن المرحلة الراهنة لا تحتاج إلى مغامرات عسكرية جديدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية واعية وموقف عربي متماسك وقدرة على منع الاعتداءات قبل أن تتوسع وإغلاق الأبواب أمام تحويل الأوطان إلى أدوات في مشاريع النفوذ الإقليمي
لقد آن الأوان لأن تدرك العواصم العربية أن الانقسام يمنح الآخرين فرصة أوسع لتوسيع نفوذهم وأن ترك اليمن والعراق ولبنان يواجهون أزماتهم دون مقاربة عربية شاملة يضاعف المخاطر على الجميع فالأمن العربي لا يتجزأ وسيادة الدول ليست ورقة تفاوض واستقرار المجتمعات ليس تفصيلا يمكن التضحية به في صراعات القوى
إننا نأمل من مصر ألا تخذل تطلعات العرب وأن تقف مع السعودية في هذه المرحلة وأن تقود معها جهدا عربيا يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن القومي المشترك كما ننتظر من طهران أن تثبت صدق خطابها الإيجابي بخطوات ملموسة تبدأ باحترام سيادة الدول ووقف التدخلات التي تهدد استقرارها
فالسعودية ومصر جناحا الأمة العربية وباب المندب وقناة السويس شريانان من شرايين أمنها واستعادة فاعلية الدفاع العربي المشترك ضرورة لحماية مستقبلها
اما أن يتحول التضامن العربي إلى قوة تحمي الدول والممرات والمجتمعات وإما أن يستمر الانقسام في منح الآخرين فرصة رسم مستقبل المنطقة على حساب شعوبها
إنها لحظة القرار والمسؤولية لحظة تتطلب قيادة واعية وإرادة مشتركة ومشروعا عربيا لا يكتفي بوصف الخطر بل يمتلك القدرة على مواجهته وصون سيادة الأمة وحماية كرامة شعوبها ومستقبل أجيالها