آخر تحديث :الإثنين-19 أكتوبر 2026-01:05ص

سرية الجبهات مسؤولية الجميع.. لا تجعلوا النشر المجاني خطرا على المقاتلين

الأحد - 18 أكتوبر 2026 - الساعة 09:45 م
صالح لجوري


في ظل الظروف العسكرية والأمنية التي تشهدها الجبهات تبرز أهمية الوعي بمخاطر النشر العشوائي للأخبار والمعلومات والصور المرتبطة بالعمليات العسكرية والجرحى والاسماء لمختلف الأفراد والمعدات وما قد يترتب على ذلك من أضرار تهدد سلامة المقاتلين والجرحى وتكشف معلومات ينبغي أن تظل بعيدة عن التداول العلني.

إن الجبهات ليست ساحات للاستعراض الإعلامي ولا ميادين لإشباع فضول المتطفلين أو تحقيق السبق الوهمي على مواقع التواصل الاجتماعي بل هي مواقع تتطلب أعلى درجات الانضباط والوعي والمسؤولية ويجب التعامل مع أخبارها ومعلوماتها بحذر شديد بعيدا عن العشوائية والتسرع والمزايدات.

أولاً: نشر أخبار الجبهات ليس حقا مطلقا بلا ضوابط

من الأخطاء الخطيرة أن يسارع بعض الأشخاص إلى نشر كل ما يصل إليهم من أخبار ومعلومات عن الجبهات والجرحى والشهداء دون التحقق من صحتها من جهه ومن جهه اخرى خطورة نشرها وعدم تقدير عواقب النشر أو إدراك ما قد تسببه من مخاطر على المقاتلين ومواقعهم وسلامتهم.

فليس كل خبر يُعرف يجب أن يُنشر وليس كل صورة تُلتقط ينبغي تداولها وليس كل معلومة تصل إلى هاتفك صالحة للنشر العام. فقد تتحول معلومة بسيطة أو صورة عفوية أو مقطع مصور إلى مصدر معلومات يستفيد منه العدو خصوصا إذا كشف عن مواقع أو تحركات أو أسماء أو تفاصيل لم يُعلن عنها رسميا.

وهنا تكمن مسؤولية كل مواطن وناشط وإعلامي: أن يدرك أن الكلمة والصورة قد تكونان وسيلة للتوعية وقد تتحولان عند غياب المسؤولية والإدراك إلى سبب في تعريض الآخرين للخطر.

ثانياً: صور الجرحى وتنقلاتهم ليست مادة للاستعراض

أن من أكثر الممارسات التي تستدعي التوقف والمراجعةنشر صور الجرحى والمصابين أو تداول أخبار نقلهم وتحركاتهم بين المواقع والمرافق الصحية دون مراعاة لخصوصيتهم أو سلامتهم أو موافقة ذويهم وفي ذلك انكسار معنوي ونفسي للمقاتلين والمجتمع

فالجرحى ليسوا مادة للتفاخر ولا وسيلة لجذب التفاعل والمشاهدات بل هم أشخاص يحتاجون إلى الرعاية والعلاج والخصوصية وتقوية معنوياتهم وزملائهم في الميدان ويستحقون الاحترام في أصعب لحظات حياتهم.

كما أن نشر صورهم أو أسمائهم أو أماكن وجودهم أو تفاصيل نقلهم ومواعيد تحركاتهم قد يكشف معلومات حساسة ويعرّضهم أو يعرّض من يتولى إسعافهم ونقلهم لمخاطر إضافية.

ومن الواجب الامتناع عن نشر هذه التفاصيل دون إذن ومسوغ واضح والالتزام بتعليمات الجهات المختصة وتأجيل أي إعلان ضروري إلى حين التأكد من أن نشره لا يهدد سلامة المصابين أو يضر بمصالحهم.

إن كرامة الجريح وحقه في الخصوصية يسبقان رغبة أي شخص في نشر صورة أو تحقيق تفاعل على حساب آلام الآخرين.

ثالثاً: سرية المعلومات العسكرية خط أحمر ويجب على القيادات فحص أي بيانات أو تصريحات قبل نشرها ويمكن استشارة أهل الاختصاص في الإعلام والتوجية العسكري لتحديد مدى اهميتها من جهه ومن جهه اخرى معرفة سلامتها من أي كشف لمسرح العمليات أو الإمداد أو التعزيزات إلخ. وكذلك الحرص من أحداث أي ثغرات يستفيد منها العدو.

إن الحفاظ على سرية المعلومات العسكرية ليس مسؤولية القيادات والجهات المختصة وحدها بل هو واجب يتطلب تعاون الجميع، كلٌّ من موقعه.

وتشمل المعلومات التي ينبغي التعامل معها بحذر شديد وفق التعليمات المعتمدة تفاصيل المواقع العسكرية والتحركات ومواعيد الانتقال وخطط العمليات وأعداد القوات وأماكن التجمع ونتائج العمليات والتعزيزات قبل الإعلان الرسمي عنها فضلا عن الصور والمقاطع التي قد تكشف تفاصيل ميدانية حساسة.

وقد يظن بعض الأشخاص أن ما ينشرونه لا يتجاوز صورة أو خبرا عابرا بينما يمكن أن يؤدي جمع المنشورات المتفرقة وربطها ببعضها إلى تكوين صورة أوضح عن الواقع الميداني.

ولذلك فإن الوعي الأمني يقتضي عدم تصوير أو نشر أو إعادة تداول أي معلومات ميدانية حساسة والرجوع إلى الجهات المخولة بالإعلان وعدم افتراض أن المعلومة آمنة للنشر لمجرد أن آخرين تداولوا مثلها.

فالانضباط في التعامل مع المعلومات جزء من المسؤولية واحترام التعليمات العسكرية والأمنية واجب لا ينبغي الاستهانة به.

رابعاً: الفرق بين الإعلام المسؤول والتطفل غير المسؤول..

الإعلام المهني لا يقوم على السباق المحموم نحو نشر الأخبار قبل الآخرين ولا على تداول الشائعات والمعلومات غير المؤكدة وإنما يقوم على التحقق واحترام الخصوصية وتقدير المخاطر والالتزام بالمصادر الموثوقة.

أما التطفل على أخبار الجبهات ونشر الصور والتفاصيل دون معرفة بعواقبها فيمثل سلوكا غير مسؤول مهما كانت النوايا المعلنة وراءه.

وليس المقصود من ذلك منع التغطية الإعلامية أو حجب الحقائق عن المجتمع بل تنظيم النشر بما يحقق المصلحة العامة ويحفظ سلامة الأشخاص ويمنع تسريب المعلومات التي قد تُستغل للإضرار بهم.

فيمكن للإعلامي أن ينقل معاناة المدنيين ويوثق الأضرار ويسلط الضوء على الاحتياجات الإنسانية دون أن يكشف تفاصيل عسكرية حساسة أو ينشر بيانات تعرض حياة أحد للخطر.

خامساً: مسؤولية الجميع تبدأ من الهاتف

في زمن الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي لم يعد نشر الخبر مقتصرًا على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إذ يستطيع أي شخص أن يلتقط صورة أو يسجل مقطعا وينشره خلال ثواني معدودة ليصل إلى آلاف الأشخاص وربما يتجاوز نطاقه المتوقع.

وهذا ما يجعل المسؤولية أكبر ويستدعي من الجميع التوقف قبل النشر وطرح أسئلة أساسية: هل هذه المعلومة مؤكدة؟

هل يسمح بنشرها؟ هل تكشف موقعًا أو تحركا أو هوية شخص؟ هل يمكن أن يتضرر أحد بسبب تداولها؟ وهل يمكن تأجيل نشرها حتى تزول المخاطر؟

إذا كانت الإجابة تشير إلى احتمال تعريض حياة إنسان للخطر فإن الامتناع عن النشر هو التصرف الأكثر مسؤولية.

كما ينبغي عدم إعادة نشر الشائعات أو الصور المتداولة لمجرد انتشارها وعدم محاولة استكمال المعلومات الناقصة من خلال التعليقات أو التخمينات والإبلاغ عن المحتوى الخطير عبر القنوات المناسبة بدلاً من توسيع انتشاره.

خاتمة: كن واعيا.. فسلامة المقاتلين ليست مجالاً للمغامرة

إن حماية الجبهات لا تقتصر على من يحملون السلاح في الميدان بل تمتد إلى كل شخص يستطيع بكلمة أو صورة أو منشور أن يحافظ على سلامة الآخرين أو يتسبب دون قصد في تعريضهم للخطر.

فلا تجعلوا الفضول يسبق الحكمة ولا تجعلوا الرغبة في التفاعل تتقدم على سلامة البشر ولا تحولوا آلام الجرحى وتحركاتهم إلى أخبار متداولة بلا ضوابط.

ليس كل ما تعرفه يُنشر وليس كل ما تراه يُصوّر وليس كل ما تستطيع نشره ينبغي أن تنشره.

تذكروا دائما أن بعض المعلومات، إذا خرجت في الوقت الخطأ لا يمكن استعادتها وأن بعض الصور قد تكشف ما لا تكشفه الكلمات وأن الصمت المسؤول في موضعه قد يكون أبلغ من آلاف المنشورات.

فلنكن جميعا شركاء في الوعي والانضباط ولنحافظ على سرية المعلومات العسكرية وخصوصية الجرحى وسلامة المقاتلين ولنترك نشر الأخبار الميدانية الحساسة للجهات المخولة وفي الوقت المناسب.

الجبهات تحتاج إلى رجال منضبطين في الميدان وإلى عقول واعية في المجتمع وإلى أقلام مسؤولة تعرف متى تكتب وماذا تنشر ومتى يكون الامتناع عن النشر واجبا وطنيا وإنسانيا.