ثمة رجالٌ لا يتّسع التاريخ لسيرتهم في صفحاته، ولا تستطيع لغة المديح، مهما اتّسعت، أن تحيط بما في أرواحهم من عظمة، وما في تجاربهم من وجع، وما في مواقفهم من معانٍ تتجاوز حدود الأفراد إلى ذاكرة الأوطان. ومن هؤلاء الجنرال مفرح بحيبح، قائد محور بيحان، الذي تقف أمام سيرته العسكرية والإنسانية مشدوهًا أمام سؤالٍ كبير: أيُّ إيمانٍ لهذا القائد الذي يجعل الأب يتلقى أنباء رحيل أبنائه واخوانه الواحد تلو الآخر، واقفًا في خندق الوطن، كأنما يستمد من جراحه قوةً جديدة للمضي في الطريق؟
ليس من السهل أن تكتب عن قائدٍ قدّم الاخوة والابناء شهداء في معارك الدفاع عن الجمهورية، في جبهات بيحان ومأرب والبيضاء، ثم يواصل الوقوف في مقدمة الصفوف، مؤمنًا بأن الأوطان التي تُبنى بالتضحيات لا يحميها التردد، وأن الرايات التي تُرفع بدماء المخلصين لا ينبغي أن تسقط عند أول منعطف.
إننا هنا لا نتحدث عن بطولةٍ عسكرية فحسب، بل عن ملحمةٍ إنسانية تتشابك فيها مشاعر الأبوة بواجب الجندية، وتلتقي فيها فطرة الإنسان التي تتشبث بأبنائها مع قناعة المقاتل الذي يرى في الدفاع عن وطنه واجبًا لا يقبل المساومة. فالأب، مهما بلغت صلابته، يظل أبًا؛ والجنرال، مهما اشتد عوده في ساحات القتال، يظل إنسانًا يعرف معنى الفقد. لكن بعض الرجال يحملون أوجاعهم بصمتٍ مهيب، ويمضون بها إلى حيث يناديهم الواجب، لا لأن قلوبهم لا تنكسر، بل لأنهم تعلّموا كيف يواصلون الطريق وقلوبهم مثقلة بما لا تستطيع الكلمات حمله.
وفي حضرة الجنرال بحيبح، لا يعود الحديث عن عدد الشهداء إحصاءً عسكريًا، ولا تصبح أسماء الأبناء والاخوة الاشقاء مجرد أسماءٍ في سجل المعارك؛ إنهم فصولٌ من حكاية رجلٍ دفع من قلب بيته ثمنًا باهظًا في معركةٍ يرى أنها معركة وطنٍ ونظامٍ جمهوري. ومع ذلك، فإن أعظم ما في هذه الحكاية ليس حجم الفاجعة وحده، وإنما ذلك المعنى العميق الذي تتركه في ضمير كل يمني: أن وراء كل شهيد أسرةً قدّمت أغلى ما تملك، وأن وراء بعض القادة حكاياتٍ من التضحية لا تُروى كاملةً إلا حين تتوقف ضوضاء المعارك ويبدأ التاريخ في الإنصات.
لقد أسعدني أن أعرف هذا القائد عن قرب، وأن ألتقيه في عددٍ من مواقع الشرف والبطولة، حيث لا تصنع المواقفُ الأقنعة، بل تكشف حقيقة الرجال. كنت أستمع إليه وهو يتحدث عن التضحية، وعن الحمية التي تدفع الإنسان إلى الدفاع عن كرامته وأرضه، وعن الجمهورية بوصفها قضيةً تستحق أن يبذل اليمنيون في سبيلها أعمارهم وجهودهم وأغلى ما لديهم.
كان يتحدث عن بيحان بلهجة من يعرف الأرض كما يعرف ملامح وجهه، ويستحضر تفاصيلها كما يستحضر الإنسان حكاية عمره. وكان يقول إنه ينتمي إلى مدينة العليا، التي اتخذها منذ سنواتٍ طويلة مستقرًا له؛ وكأن الانتماء عنده ليس مجرد رابطةٍ تُورث، بل اختيارٌ تصنعه العشرة، وتثبته المواقف، وتمنحه الأيام جذورًا أعمق من الجغرافيا.
ومن هنا، تبدو بيحان في سيرة الجنرال بحيبح أكثر من محورٍ عسكري وميدانٍ للمواجهة؛ إنها المكان الذي ارتبط به وجدانيًا، واستقر فيه، وعاد من خلاله إلى صفوف القوات المسلحة، حاملًا خبرته العسكرية وإرادته للإسهام في تنظيم القوات، وتعزيز قدراتها، وبناء جاهزيتها القتالية، ولا سيما في محور بيحان. لقد كانت عودته إلى المؤسسة العسكرية، وما بذله في سبيل تطوير قدراتها، جزءًا من مسارٍ يربط بين خبرة القائد وحاجة الميدان، وبين قناعة الرجل ومسؤوليته تجاه الأرض التي اختار أن يكون أحد حراسها.
ولعل ما يميّز الجنرال مفرح بحيبح أنه لا يقدّم نفسه في صورة القائد المهيب الذي يرفع الشعارات من بعيد؛ بل يرتبط اسمه بميدانٍ يعرفه، وبقواتٍ يقف في مقدمتها، وبأثمانٍ شخصية دفعها من داخل بيته قبل أن يتحدث عنها الآخرون. وحين يكون القائد قد ودّع فلذات الاكباد من الابناء، و العماد والسند من الاخوة الاشقاء وابناء العمومة القوة والممد شهداء، فإن الحديث عن التضحية يغدو أكثر من عبارةٍ عسكرية؛ يصبح جزءًا من سيرته، وجرحًا مفتوحًا في ذاكرته، وشاهدًا على أن الحروب لا تترك آثارها في خطوط الجبهات وحدها، بل تمتد إلى أعماق البيوت والقلوب.
واليوم، وقد سقط أخوه الأخير شهيدًا وهو في مقدمة صفوف لوائه العسكري، تتجدد الأسئلة الثقيلة عن الأثمان التي تدفعها الأسر اليمنية في هذه الحرب الطويلة، وعن معنى أن يظل الرجال في مواقعهم رغم توالي الفواجع. إنها لحظة تستحق الوقوف، لا لاستثمار الألم في المبالغة، ولا لتحويل الفقد إلى كلماتٍ موجعة، بل لاستحضار القيمة الإنسانية للتضحية، وتذكير الجميع بأن وراء كل موقفٍ عسكري قصةً بشرية تستحق أن تُروى بصدقٍ ووفاء.
إن الإنصاف للجنرال بحيبح لا يكون بمجرد إطلاق الألقاب عليه، ولا بوصفه أسطورةً لا يمسها الألم؛ بل برؤية الإنسان في داخله، والأب الذي عرف الفقد، والقائد الذي حمل مسؤولية الميدان، والرجل الذي ربطته ببيحان سنواتٌ من العشرة والعمل والمواقف. فالبطولة الحقيقية ليست أن يفقد الإنسان إحساسه بالوجع، وإنما أن يظل وفيًّا لقناعاته رغم الوجع، وأن يدرك أن الشجاعة لا تعني غياب الدموع، بل القدرة على مواجهة الحياة حين تمنحك من الفقد ما يفوق احتمال الكلام.
في حضرة ابو واخو الشهداء الجنرال بحيبح، يصبح الصمت ابلغ من الكلام. فهنا رجلٌ لا نقرأ سيرته من خلال الرتب والنياشين وحدها، بل من خلال كوكبة من الابناءٍ مضوا شهداء، وأخوة لحقوا بركب الفداء والشهادة، وأرضٍ اتخذها وطنًا، وجمهوريةٍ ظلّ يرى الدفاع عنها واجبًا يستحق التضحية.
ومهما اختلفت القراءات السياسية والعسكرية، فإن دماء الشهداء تظل أمانةً في أعناق الأحياء، لا تكتمل قيمتها إلا بصون كرامة الإنسان، وحماية الوطن، وترسيخ دولة النظام والقانون، حتى لا تتكرر الفواجع، وحتى لا تبقى الأجيال اليمنية أسيرة دوامة الفقد والحروب.
سلامٌ على الشهداء الذين غادروا ميادين القتال وبقيت حكاياتهم في ذاكرة الأرض، وسلامٌ على الآباء الذين يوارون أبناءهم ثم يواصلون الحياة بقلوبٍ لا يعرف أحد مقدار ما تحمله. وسلامٌ على كل قائدٍ يدرك أن أعظم انتصارٍ ليس في عدد المواقع التي تُستعاد، بل في أن يأتي يومٌ لا تضطر فيه أسرةٌ يمنية إلى تقديم ابنها قربانًا للحرب.
ذلك هو المعنى الذي استوقفني في حضرة الجنرال مفرح بحيبح؛ أن بعض الرجال لا يكتبون تاريخهم بالحبر وحده، بل بأعمارهم وأوجاعهم وتضحيات بيوتهم. وحين ينصت التاريخ إلى هؤلاء، لا ينبغي أن يسمع صوت البندقية فحسب، بل أن يسمع أيضًا صوت الأب الذي فقد أبناءه، واخوانه، وصوت الوطن الذي يتطلع إلى سلامٍ عادلٍ لا يضطر فيه الآباء إلى وداع أبنائهم في ميادين القتال.