هناك قبائل تكتب تاريخها بالحبر، وهناك قبائل تكتبه بالصبر والدم والتضحيات؛ والصبيحة من القبائل التي تركت بصمتها في سجل المقاومة والذود عن الأرض والكرامة.
ليست الصبيحة اليوم مجرد رقعة جغرافية في غرب محافظة لحج، ولا مجرد خطوط مواجهة تمتد بين الجبال والوديان؛ إنها حكاية رجال اختاروا الوقوف في وجه الغزو، وتحملوا مسؤولية الدفاع عن أرضهم وأهلهم في ظروف بالغة الصعوبة، وهم يواجهون مليشيات الحوثي القادمة من جبال مران، حاملةً معها مشروعًا فكريًا متشددًا لا يؤمن بالتعدد ولا يقبل بحرية الناس في اختيار طريقهم ومستقبلهم.
لقد أثبت أبناء الصبيحة أن الانتماء إلى الأرض ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل موقف يُختبر حين تشتد المحن، وتضيق الإمكانات، وتتراجع المساندة. ففي الوقت الذي يحتاج فيه المرابطون إلى الإسناد والتجهيز والاهتمام، يواصل رجالهم الصمود في سفوح الجبال وشعاب الوديان، بإمكانات محدودة، مستندين إلى إرادة صلبة وشعور عميق بأن التفريط في الأرض ليس خيارًا.
إن ما يستحق التوقف أمامه ليس شجاعة المقاتلين وحدها، بل قدرتهم على الاستمرار رغم قسوة الظروف، وعلى حمل مسؤولية الدفاع عن مناطقهم وأسرهم، وهم يعرفون أن وراء كل ليلة يقضونها في الخنادق أمًّا تنتظر، وطفلًا يترقب عودة أبيه، وأسرةً تعيش بين الخوف والأمل.
هذه ليست بطولة عابرة، بل صورة من صور الوفاء للأرض والأهل، تتجلى في كل موقف يثبت فيه الرجال، وفي كل تضحية يقدمونها دون أن ينتظروا ثمنًا أو مكافأة.
حين نستحضر بطولات العرب في صدر الإسلام، نتذكر مواقف الثبات والتضحية التي سجلتها معارك اليرموك والقادسية، ونتذكر كيف صنعت وحدة الصف والإيمان بالمسؤولية فرقًا كبيرًا في مواجهة التحديات. ولسنا هنا بصدد مساواة معركة بأخرى أو استنساخ التاريخ، وإنما نستحضر تلك الدروس لنؤكد أن البطولة لا تُقاس بكثرة السلاح وحدها، بل بالإرادة، والصبر، والتماسك، والاستعداد لتحمل المشاق دفاعًا عن الأرض والكرامة.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يسطره أبناء الصبيحة اليوم يستحق أن يُقرأ في سياقه التاريخي، وأن يُوثق بعيدًا عن المبالغات والشعارات، باعتباره جزءًا من ذاكرة المقاومة اليمنية الحديثة، بما فيها من مواقف شجاعة وتضحيات وتحديات تستحق الإنصاف والتسجيل.
من المرتفعات القريبة من باب المندب، مرورًا بالمضاربة ورأس العارة وطور الباحة، وصولًا إلى المحاور المتاخمة لتعز، تتجلى أهمية هذه الجبهة، ليس بسبب موقعها الجغرافي فحسب، بل لما تمثله من مسؤولية في حماية المجتمعات المحلية وتأمين الطرق والمناطق المحيطة بها.
وهنا نوجه دعوة صادقة إلى أساتذة التاريخ والباحثين والمؤرخين، وإلى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، لتوثيق هذه الملاحم توثيقًا علميًا رصينًا، وجمع شهادات المقاتلين وأسر الشهداء والجرحى، وتسجيل الوقائع والأسماء والتضحيات، حتى لا تضيع تفاصيل هذه المرحلة في زحام الأحداث، وحتى تجد الأجيال القادمة أمامها تاريخًا موثقًا تتعلم منه معنى الصمود والمسؤولية الوطنية.
فالتاريخ لا ينبغي أن يكتبه المنتصرون وحدهم، ولا أن تترك بطولات الرجال للذاكرة الشفوية وحدها؛ بل يجب أن تُحفظ بالوثائق والشهادات والتحقيقات الميدانية، لتصبح جزءًا من الذاكرة الوطنية ومادةً للدراسة والبحث.
ومع كل هذا الاعتزاز بما يقدمه أبناء الصبيحة، يبقى في المشهد جانب مؤلم يستحق أن يُقال بصراحة ودون مواربة.
إن من المحزن أن يحمل المقاتل روحه على كفه في سفوح الجبال والوديان، مدافعًا عن أرضه وأهله، بينما تعجز بعض الجهات، بل ويرفض بعض من يعلنون أنهم يقفون معه، استقبال أسر المرابطين والشهداء والجرحى وتوفير مسكن آمن لها، حتى يؤدي المقاتل واجبه وهو مطمئن على أهله، أو يعود الجريح إلى بيته ليجد أسرته في مأمن وكرامة.
أي معنى للتضامن إذا تركنا أسرة المقاتل تواجه وحدها أعباء الحياة؟ وأي وفاء للشهيد إذا لم نحفظ كرامة أسرته؟ وأي حديث عن الوطنية يكتمل ونحن نطالب الرجال بالصمود في الجبهات، ثم نغلق الأبواب في وجوه أسرهم حين تحتاج إلى مأوى وأمان؟
إن احتضان أسر المرابطين ليس منّةً من أحد، بل واجب أخلاقي ووطني وإنساني، تتحمله الدولة والجهات المعنية والمجتمع وكل من يملك القدرة على تقديم العون. ومن لا يستطيع حمل السلاح، يستطيع أن يخفف عن المقاتل همّ أسرته، وأن يمد يد العون لزوجته وأطفاله، وأن يجعل بيته أو جهده أو ماله سندًا لمن يدافعون عن الجميع.
ولذلك، فإننا نعتز بكل من يقف مع أبناء الصبيحة قولًا وفعلًا، ونقدر كل يد تمتد إليهم في محنتهم، لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول تضحيات الرجال إلى مادة للشعارات، بينما تُترك أسرهم بلا مأوى أو سند.
الصبيحة لا تحتاج إلى التصفيق لبطولاتها بقدر ما تحتاج إلى موقف يليق بتضحيات أبنائها. تحتاج إلى دعم صادق، واحتضان كريم لأسر المرابطين والشهداء والجرحى، وإلى توحيد الجهود بعيدًا عن الحسابات الضيقة والمصالح العابرة.
ستظل الجبال والوديان شاهدة على ما يقدمه الرجال، لكن الشهادة الأصدق ليست ما تقوله الجبال وحدها، بل ما يفعله الناس تجاه هؤلاء الرجال وأسرهم.
المجد لمن يرابطون في الجبهات، والرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والكرامة لأسرهم. أما الوفاء الحقيقي، فلا يُقاس بما نقوله عن الأبطال، بل بما نقدمه لهم ولأسرهم حين يحتاجون إلينا.