آخر تحديث :الخميس-29 أكتوبر 2026-01:57ص

رسالة خاصة لمحافظ حضرموت. سند مجبلع.. حين تُنجب شبوة الرجالَ التي تتّسع لهم الأوطان.

السبت - 17 أكتوبر 2026 - الساعة 04:59 م
عمر الحار


اخي النائب الرئاسي، محافظ حضرموت، القائد والمناضل معالي الاستاذ القدير سالم الخنشي،

تحية تقدير لشخصكم الكريم و لحضرموت عامة.

دعني اخاطب فيكم اليوم رجل الدولة وقائدها على مستوى حضرموت والوطن، وواحد من فلاسفة الادارة و اساتذتها الاجلاء، اللذين علموا الاجيال بان المناصب الكبيرة ليس هي من تصنع قيمة الرجال، بل الرجال الذين يمنحون المناصب قيمتها، ويضيفون إلى كراسي المسؤولية كل يوم رصيد من أخلاقهم وكفاءتهم وخبراتهم ما يجعلهم أهلًا للثقة وجديرين بحمل الأمانة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فضلت قراءة الجدل الدائر حول تعيين الشاب الوطني الشبواني سند مجبلع ذيبان لإدارة منفذ الوديعة؛ بعيدًا عن ضيق النظرة المناطقية، وقريبًا من منطق الدولة ومقتضيات المسؤولية الوطنية.

فحين يصدر قرار وزاري نافذ بتعيين كفاءة وطنية في موقع إداري يتصل بأحد المنافذ السيادية، فإن الأصل هو احترام القرار والتعامل معه من منطلق مؤسسي وقانوني، ما لم يثبت وجود مخالفة قانونية تستوجب المراجعة عبر القنوات المختصة. أما تحويل التعيينات إلى ميدان للتجاذبات الجغرافية، أو إخضاعها لحسابات تتجاوز الاختصاصات القانونية، فلن يخدم بناء الدولة، ولن يضيف إلى مؤسساتها سوى مزيد من التعقيد.

ومن هنا، فإن الاعتراض المنسوب إلى محافظ حضرموت على تعيين سند مجبلع، يستدعي نقاشًا مسؤولًا يستند إلى النصوص القانونية وتحديد الاختصاصات، لا إلى الانتماء الجغرافي للمسؤول أو المرشح. فالمنافذ البرية والجوية، بما تمثله من أهمية اقتصادية وأمنية وسيادية، ترتبط بمنظومة اختصاصات الدولة المركزية والجهات المعنية بها، ولا يصح اختزال إدارتها في اعتبارات محلية أو التعامل معها وكأنها شأن مناطقي مغلق. والعبرة في نهاية المطاف بسلامة الإجراءات، واحترام القانون، وكفاءة من يتولى المسؤولية.

فشبوة لم تكن يومًا مجرد مساحة جغرافية تطلب نصيبها من المناصب، بل كانت رافدًا وطنيًا يقدّم الكفاءات، ويمنح مؤسسات الدولة رجالًا قادرين على تحمل المسؤولية، ونعتز بأن نرى أبنائها في مواقع العمل والعطاء، لا بوصفهم ممثلين لمناطقهم فحسب، بل باعتبارهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني الجامع.

وسند مجبلع، ابن شبوة، ليس غريبًا عن حضرموت، ولا عن اليمن الكبير الذي تتداخل فيه المصالح والوشائج والروابط الاجتماعية والتاريخية. إنه ابن وطن تتكامل فيه المحافظات، وتتساند فيه الطاقات، ولا ينبغي أن تتحول فيه هوية المسؤول الجغرافية إلى حاجز أمام فرصته في خدمة الناس، ما دام مؤهلًا للموقع ومستوفيًا لشروطه القانونية والمهنية.

إن ما يجمع شبوة وحضرموت أكبر من أن تفرّقه سجالات التعيينات. فبين المحافظتين تاريخ من التقارب، ومصالح مشتركة، وامتدادات اجتماعية واقتصادية، وتطلعات إلى مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ومن الحكمة السياسية أن تتحول مثل هذه الملفات إلى فرص لتعزيز الثقة والتكامل، لا إلى مناسبات لتوسيع مساحات الاختلاف أو استدعاء حساسيات لا تخدم حاضر المحافظتين ولا مستقبلهما.

ومن هذا المنطلق، فإن التوجه نحو بناء الإقليم الشرقي، بما يحمله من آمال في تعزيز الشراكة والتنسيق وتكامل الموارد والإمكانات، يحتاج إلى خطاب سياسي مسؤول، وإلى ممارسات تترجم وحدة المصالح إلى واقع ملموس. فالمشروعات السياسية الكبرى لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بثقافة الشراكة، واحترام الاستحقاقات، وتقديم الكفاءة على الاعتبارات الضيقة، والإيمان بأن نجاح أي محافظة هو مكسب لجاراتها، وأن قوة الإقليم تبدأ من قوة الروابط بين مكوناته.

وليس من مصلحة حضرموت أن يُفهم الاعتراضٌ على تعيين ابن شبوة باعتباره موقفًا من شبوة أو من أبنائها، كما ليس من مصلحة شبوة أن تنظر إلى المسألة بمنطق الخصومة مع حضرموت. فالمسؤولية تقتضي الفصل بين الأشخاص والقرارات من جهة، والعلاقات التاريخية والمصالح المشتركة بين المحافظتين من جهة أخرى. وإذا كان ثمة تحفظ قانوني أو إداري، فإن معالجته تكون بالاحتكام إلى القانون والجهات المختصة، لا بإقحام العلاقة بين المحافظتين في خلاف يمكن احتواؤه بالحكمة والمؤسسات.

أما سند مجبلع، فإن المعيار الذي ينبغي أن يُحاكم به هو ما يقدمه في موقعه، لا المحافظة التي ينتمي إليها. فهو يتمتع بمواصفات أخلاقية ومهنية عالية، تمنحه رصيد الثقة المطلوبة، التي ينبغي أن تكون أساس تقييم أدائه ومساءلته. فالمناصب العامة ليست امتيازات شخصية، بل مسؤوليات تُقاس نتائجها بمستوى الإنجاز، والانضباط، والنزاهة، وحسن التعامل مع المواطنين، والقدرة على تطوير العمل المؤسسي.

ومن حق المجتمع أن ينتظر من كل مسؤول جديد أن يترجم الثقة الممنوحة له إلى أداء ملموس، ومن حق الدولة أن تحمي قراراتها القانونية من التجاذبات، ومن حق المواطنين أن يروا في مؤسساتهم مساحة تتقدم فيها الكفاءة على أي اعتبار آخر. وتلك هي المعادلة العادلة التي لا تنتصر لشخص على حساب آخر، ولا لمحافظة على حساب جارتها، بل تنتصر لمبدأ الدولة وحق الوطن في الاستفادة من جميع أبنائه.

يا أبناء شبوة وحضرموت، إن روابط الجوار والتاريخ والمصير أكبر من أن تختزلها ضجة مفتعلة حول منصب، وأعمق من أن تهزها اختلافات في وجهات النظر. وما نريده لمحافظتينا ليس سباقًا على الكراسي، بل شراكة في صناعة المستقبل؛ وليس تنازعًا على هوية المسؤول، بل اتفاقًا على معايير اختياره ومحاسبته؛ وليس اصطفافًا خلف الجغرافيا، بل اصطفافًا خلف القانون والكفاءة والمصلحة العامة.

فليكن تعيين سند مجبلع مناسبة لتأكيد هذه المبادئ، وفرصة لإعادة الاعتبار إلى معيار الاستحقاق، ورسالة واضحة بأن شبوة وحضرموت قادرتان على تجاوز الحساسيات المصطنعة، متى ما انتصرتا لمنطق الدولة ولغة المصالح المشتركة.

فالأوطان لا تتقدم حين تتنازع محافظاتها على أبنائها، بل حين تتسابق بكفاءاتها لخدمتها. والمناصب لا تكبر بأسمائها، وإنما تكبر برجالها؛ وشبوة التي تفخر بأبنائها لا تريد لهم إلا أن يكونوا إضافةً لوطنهم، وجسرًا للتقارب مع أشقائهم، وعنوانًا للكفاءة والنزاهة وحسن الأداء.

ذلك هو الرهان الذي يستحق أن نكسبه جميعًا: أن يبقى سند مجبلع ابن شبوة، وابن حضرموت، وابن اليمن؛ وأن تكون الدولة هي المظلة التي تتسع للجميع، ويكون القانون هو الحكم، والكفاءة هي المعيار، والمصلحة الوطنية هي الغاية التي لا تعلو عليها غاية.