لم أكن أتصور أن أستعيد أخبار صديق قديم، بعد كل هذه السنوات، برسالة قصيرة تحمل من الوجع ما لا تتسع له صفحات. عرفته أيام الدراسة في بغداد، ثم عدنا معا هو إلى صنعاء وانا إلى عدن بعد التخرج، قبل أن تتباعد بنا الطرق وينقطع التواصل بيننا، إلى أن هاجر إلى إحدى الدول الأوروبية عام 2000، ولم يعد إلى اليمن منذ ذلك الحين.
مضت السنوات، وتبدلت الأحوال، وغابت أخبار كثيرة عن أصدقاء جمعتنا بهم أيام الدراسة والغربة، حتى باغتني اليوم برسالة عبر ماسنجر، ظننتها في البداية تحية مسائية عابرة، فإذا بها تحمل قلق قديم على وطن لم يستطع صاحبها أن يتحرر من أوجاعه، رغم طول الغياب.
كتب إليّ:أرجو أن تكون بخير وصحة وعافية، واعذرني أن أكون صريح أمام مشاعرك الوطنية حينما تكتب بألم عما يجري في اليمن، شماله وجنوبه، وطننا الذي نعرفه.
ثم مضى يتحدث عن بلد يراه، في شعوره، قد انتهى منذ عقود، ولم تعد تأتي منه إلا الأخبار السيئة والمحبطة. واستعاد سنوات الأنظمة في الشمال والجنوب، وما يراه من أزمات أدخلت اليمن في دهاليز مظلمة، قبل أن يتوقف عند محيط إقليمي ودولي بات، في تقديره، يتعامل مع البلاد باعتبارها ساحة لتضارب المصالح والنفوذ، لا دولة تملك قرارها وتصون مصالحها.
وختم عبارته بما يشبه حكم قاسي على واقع اليمن: للأسف، بلد منزوع السيادة، لا حول ولا قوة له.
ما هزّني في رسالة صديقي ذلك اليأس الذي بدا وكأنه خلاصة ربع قرن من الغياب ومتابعة وطن تتنازعه الأزمات. لقد ابتعد عن اليمن آلاف الأميال، لكن وطنه ظل قريبا بما يكفي ليؤلمه. فثمة أماكن لا يغادرها الإنسان حقا، حتى وإن غادرها بجسده تبقى حاضرة في ذاكرته، وتلاحقه أخبارها، ويظل ما يصيبها قادرا على إيلامه مهما طال الزمن.
وربما لهذا السبب كان وقع الرسالة مختلف؛ فقد جاءت من رجل ابتعد عن المشهد اليومي، لكنه ظل يتلقى أخبار وطنه بوجع من يتابع أحوال شخص عزيز تتوالى عليه المصائب، ولا يملك أن يمد له يد العون.
لم أجد نفسي منشغلا بالرد على كل ما جاء في الرسالة، أو بمحاولة إقناع صاحبها بأن بعض أحكامه قاسية، وأن التجربة اليمنية أكثر تعقيدا من أن تختصرها حقبة واحدة أو يُحمَّل مسؤوليتها طرف بمفرده. ما شغلني حقا هو ذلك الشعور الذي يقف خلف كلماته؛ شعور لم يعد حبيس المغتربين وحدهم، بل أصبح حاضرا لدى يمنيين كثيرين ممن أثقلتهم سنوات الصراع وتتابع الأزمات، حتى باتوا ينظرون إلى وطنهم بعين لا ترى في الغد إلا امتدادا لما عاشوه في الأمس.
وهذا الشعور لم ينشأ من فراغ. فقد عاشت اليمن سنوات طويلة من الاستبداد والحروب والعنف والإرهاب والانقسام السياسي والاجتماعي، ثم دخلت مراحل متعاقبة من الاضطراب والفساد وضعف المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ وتراجع الثقة بالدولة. وكل مرحلة تركت جرح جديد في ذاكرة الناس، حتى تراكمت الجراح إلى درجة جعلت بعضهم يشعر بأن الوطن الذي عرفوه لم يعد موجودا بالصورة التي بقيت في وجدانهم.
ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مقتصرة على تراجع الخدمات أو ضيق المعيشة أو تعثر السياسة، وانما امتدت إلى علاقة الإنسان اليمني بوطنه، وإلى ثقته بقدرته على النهوض من جديد. فحين تتكرر الإخفاقات، وتتعاقب الوعود دون أن يجد المواطن ما يلمسه في حياته، يصبح التشاؤم مفهوم وتغدو الثقة أمرا يحتاج إلى ما يبرره، لا إلى من يطالب به بالكلمات.
ومع ذلك، لا أعتقد أن اليمن انتهى. فالذي يمكن أن ينتهي هو نظام سياسي، أو مرحلة تاريخية، أو مشروع سياسي، أو صورة معينة للدولة، أما اليمن بوصفه بلد وشعب وذاكرة وحضارة، فلا يمكن اختزاله في حكومات أخفقت، أو أحزاب تصارعت، أو مراحل مظلمة مر بها تاريخه.
غير أن التمسك بهذه الحقيقة لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتخفيف من حجم المأساة أو الهروب من مواجهة أسبابها. فالتاريخ العريق لا يعوض غياب الدولة، والموقع الجغرافي المهم لا يصنع سيادة في غياب القرار الوطني، وما يملكه البلد من إمكانات لا يتحول إلى قوة ما لم توجد مؤسسات قادرة على إدارتها وتوجيهها لخدمة الناس.
ما هزّني في رسالة صديقي لم يكن قسوة عباراته، وانما ذلك اليأس الذي بدا وكأنه خلاصة ربع قرن من الغياب ومتابعة وطن تتنازعه الأزمات. لقد ابتعد عن عدن آلاف الأميال، لكن وطنه ظل قريبًا بما يكفي ليؤلمه. فثمة أماكن لا يغادرها الإنسان حقا، حتى وإن غادرها بجسده؛ تبقى حاضرة في ذاكرته، وتلاحقه أخبارها، ويظل ما يصيبها قادرا على إيلامه مهما طال الزمن.
وربما لهذا السبب تحديدا كان وقع رسالته مختلفا فقد جاءت من رجل ابتعد عن المشهد اليومي، لكنه ظل يتلقى أخبار وطنه كما يتلقى المرء أنباء شخص عزيز تتوالى عليه المصائب، ولا يملك له شيئا.
وفي هذه المفارقة بالذات تتجلى الحقيقة كاملة؛ فالصديق الذي يقول إن الوطن قد انتهى، ما كان ليتكبد عناء الكتابة بكل هذا الألم والحرقة، لو كان اليمن قد مات بالفعل في داخله. إن هذا الغضب الساخط ليس إلا القناع الأخير للأمل المتبقي، والتعبير الأشد صدقا عن انكسار عميق في العلاقة بين المواطن وأرضه.
وهو انكسار لا ترممه الخطابات الرنانة ولا البيانات السياسية المعسولة، بل يتطلب مسار شاق لإعادة بناء الثقة الغائبة، والاعتراف المباشر بحجم الأخطاء التاريخية التي ارتُكبت في حق هذا الشعب، حتى لا تظل الأجيال القادمة تدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها، وتظل تتساءل عن الدور الذي لعبناه حين كان الوطن ينزلق نحو المجهول.